
اعرف قدر نفسك
يستمرّ سماحة السيّد قدس سره تعالى في الحديث عن الهدف العظيم الذي ينبغي على الإنسان أن يسعى إليه، لكن هذه المرّة من خلال التعرّض لقصّة سجود الملائكة عليهم السلام لآدم عليه السلام؛ وذلك عبر الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي حقيقة علم الملائكة؟ وما هو مصدر العلوم التي يحصل عليها الإنسان؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يتصرّف أمام المشيئة الإلهيّة؟ ما هو سرّ اعتراض الملائكة على السجود لآدم عليه السلام؟ ليختم سماحته المحاضرة بالحديث عن مسألة مهمّة تتعلّق بمنزلة الإنسان والدرجة الرفيعة التي يُمكنه الحصول عليها.
اعرف قدر نفسك
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
عظُم يا سيّدي أملي وساء عملي فأعطني من عفوك بمقدار أملي ولا تؤاخذني بأسوء عملي؛ فإنٌّ کرَمَك يجلّ عن مجازات المذنبين وحلمك يكُبر عن مكافات المقصِّرين.۱
بيّنا للأخلاّء في الليالي السابقة بأنَّ الإمام السجّاد عليه السلام يُريد هنا أن يُعلّمنا أمرًا عظيمًا؛ فهو يُريد أن يُعرِّف ويُبيِّن لنا أحد الأصول، بل يمكن القول بأنَّه الأصل الأهّم من أصول السلوك والعرفان وطيِّ الطريق إلى الله تعالى.
اعتراض الملائكة على السجود لآدم عليه السلام
فما الذي يتوجّب علينا فعله؟ وكيف يمكن معالجة هذا الأمر؟ فقد غرس الله وثبّتَ في وجودنا وفي مكنون فطرتنا الشوق للحركة باتّجاهه من أجل الوصول إلى ذاته المُقدَّسة، والورود في حريم أُنسه وقُدسه؛ فتلك حقيقة واقعة، إذ يختلف الإنسان عن باقي المخلوقات من الحيوانات والنباتات والجمادات وحتّى عن الملائكة؛ لأنّ الملائكة لا يمتلكون منزلة الإنسان، ولهذا السبب أُمروا بالسجود لآدم؛ فلو كانت منزلة الملائكة بنفس درجة ومنزلة الإنسان لما أُمروا بالسجود له؛ فلا معنى للسجود له في هكذا حالة؛ لأنّ أمر الله لا يُبنى على العبث، وليس مثل الأشاعرة الذين يقولون بأنَّه ما دام الأمر صادرًا من الله، فيجب تطبيقه على أيَّ حال؛ فلو كان الأمر كما يقولون، لماذا لم يأمر الله الملائكة بالسجود لشجرة التفاح أو الكُمَّثرى؟! ولماذا لم يأمرهم بالسجود للحصان أو الحمار أو الخروف؟! فما هو الفرق في ذلك إذا كان الملاك هو إطاعة الأمر الصادر من المولى بشكل مطلق؟! فإن كان مجرّد صدور الأمر من المولى مُصحِّحًا للمأمور به؛ فيجوز والحال هذه أن يأمر الله تعالى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وبقيَّة الملائكة بالسجود للشجر والحجر والبحر والجبل وهذا الحمار الذي يمشي أو تلك البقرة التي تسير؛ كما يفعل عبدة البقر.
فلماذا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ وما هو السبب في ذلك؟ لقد بيَّن الله ذلك وفسَّره في الآيات القرآنية إذ قال تعالى في جوابه للملائكة عندما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾، حيث قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾٢. [فلسان حال الملائكة يقول:] يا إلهنا ألا يكفي كلّ هذا الخلق الذي خلقته، فلقد خلقت ملائكةً صالحين لم ولن تصدر منهم أيَّة معصية، فما أحسنه من خلق! أفهل يُمكن أن يوجد أحسن من هذا؟! فلا تصدر منهم أيّة معصية، وهم عاكفون على العبادة بشكل دائم «فَمِنهُم رُكَّعٌ لا يَسجُدوُنَ وَمِنهُم سُجَّدٌ لا يَقوُمُونَ وَمِنهُم قُعُودٌ لا يَنتَصِبُونَ وَمِنهُم قِيامٌ لا يَقعُدوُنَ»٣ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾٤؛ فلا وجود للعصيان والتجاوز والانحراف في عالم الملائكة، فمن يكون أفضل من هكذا مخلوقات حتّى يخلق الله هذا الإنسان الذي ما إن وطئت قدمه الأرض حتّى بدأ بارتكاب المعاصي وتخطّي الأوامر الإلهيّة وإشعال نيران الحروب؟! ألم تكن تلك هي طبيعة الإنسان؟ فها هما آدم وحواء لم تطأ أقدامهما الأرض ولم ينفضوا عنهما غبار السفر بعد، حتّى قتل قابيلُ هابيلاً! ولم تكن تلك إلاّ البداية، إذ فعل اللاحقون ما فعلوا من تعذيبهم وقتلهم للأنبياء، حتّى قال رسول الله: «ما أوذي نبيٌّ مثلَما أوذيت»٥.. لقد قال ذلك مع أنّه كان جبلاً من الحلم والصبر والتحمُّل والرصانة والحياء.
- فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي الشريف.
- سورة البقرة (٢)، جزء من الآية ٣۰.
- شرح المثنوي، للحاج هادي السبزواري، ج ۱، ص ٩٢.
- ورة التحريم (٦٦)، جزء من الآية ٦.
- بحار الأنوار، ج ٣٩، ص ٥٦.
