
بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأجوف
في هذا المجلس، يستعرض سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، في هذه المحاضرة التي ألقيت في 15شهر رمضان لعام 1434هـ ق، بعض الفوارق الموجودة بين نوعين من الإسلام إن صحّ التعبير: الإسلام الحقيقي والإسلام الظاهري الأجوف، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: هل يُمكن الوصول إلى حقيقة الإسلام عن طريق مقدّمات ووسائل فاسدة؟ ماهي النتائج المترتّبة عن تغليب الأمور الظاهريّة على الباطنيّة؟ هل ينبغي علينا الاهتمام بانتشار الإسلام وأبّهته الظاهريّة بأيّ ثمن كان؟ ما هي قيمة الإسلام الذي يفتقد للولاية؟ هل ينسجم الدين الإسلامي مع الكذب والخداع؟ وقد أثرى سماحته هذا البحث بمجموعة من النماذج والأمثلة عن بعض الصحابة في صدر الإسلام، بالإضافة إلى بعض النماذج المعاصرة.
بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأجوف
7فلماذا خرج الإمام من المدينة؟ أمن أجل بقاء هذا الإسلام؟ فإذا كان ذلك الإسلام الذي خرج من أجله هو إسلام معاوية ويزيد، فلماذا ثار ضدَّهم إذاً؟ ولماذا وقف الإمام الحسن بوجه معاوية؟ فقد كانوا مسلمين.. ألم يكن الإسلام قائماً؟! ألم يكن معاوية يُقيم الصلاة؟! بلى، لقد كان يُصلّي ويحجّ ويُعطي الزكاة والخمس ـ من أموال الناس بالطبع ـ ويُقيم الجمعة ويفتح البلدان؛ فلقد تمكّن جيش معاوية بقيادة يزيد ـ على الظاهر ـ من الوصول إلى شمال تركيا ـ الجزء الأوربي من تركيا ـ ، وعبروا مضيق البوسفور، وتقدَّموا واحتلّوا قسماً من الجزء الاوربي من تركيا، كما فتحوا إفريقيا وتمكَّنوا من الوصول إلى مشارف الأندلس، إلى أن تمّ فتحها في خلافة عبد الملك بن مروان (وأمثاله) ۱، والذي استمر بالتقدَّم حتّى فتح كلّ جنوب أوربا المتمثِّلة بإسبانيا والبرتغال، وأمّا من الجهة الشرقيّة، فقد فُتحت إيران في خلافة عمر بن الخطّاب بواسطة قائد الجيوش الإسلاميّة سعد بن أبي الوقّاص؛ فما دام أمر الفتوحات على هذا المنوال، فلماذا يقف الإمام الحسن بوجه معاوية؟ فقد كان مسلماً يُؤدّي الصلاة والصيام والحجّ. لقد كان وقوف الإمام الحسن بوجههم لأنَّ إسلامهم كان إسلاماً بدون ولاية، والإسلام بدون الولاية يعادل الصفر؛ ولهذا، فقد وقف الإمام الحسن بوجههم من أجل إعادة هذا الإسلام إلى الإسلام الولائيّ، أي ذلك الإسلام المتضمِّن للولاية والذي تكون الإمامة هي الحاكمة فيه؛ فالإمام هو الذي يعلم ماذا يفعل، وكيف يتعامل مع الناس؛ لأنّ الإسلام ليس منحصراً بالصلاة والصوم فقط.. ويبدو أنَّني قد بيَّنت هذا الأمر في الجزء الثالث من كتاب أسرار الملكوت.
لماذا قام سيّد الشهداء بهذا العمل؟ لأنَّه كان يرى بأنّ يزيد هو شخص غارق في النزوات، شارب الخمر، يلعب بالكلاب والقردة، حيث كان يُلبس القرد ثياباً ويُجلسه إلى جنبه في العرش؛ أيمتلك هكذا شخص اللياقة ليكون خليفة لرسول الله؟! كان سيّد الشهداء يرى يزيد هذا يحكم المسلمين؛ فما الذي سيجري في ظلّ مثل هذه الحكومة؟ ومن هم الأشخاص الذين سيتولّون الحكم فيها؟ وما هي طبيعة نفوسهم؟ وكيف ستكون علاقتهم بالناس؟ وكيف سيُعلِّمون الناس أمور دينهم؟ هل يستطيعون فعل ذلك؟ لا، لأنّ الذي يُمكنه تحمّل ذلك هو الشخص الذي يكون هو والي حرم الولاية؛ وهو الإمام عليه السلام، أو الشخص المتّصل بالإمام، والذي يسأله بصورة مباشرة ويسمع الجواب، أو الشخص الذي له إشراف باطني على الأمور؛ وهو وليّ الله والعارف الكامل، لا بائع الشمندر والخيار ٢، فالعارف والوليّ الكامل هو وحده القادر على تلقّي المسائل من النفس القدسيّة والملكوتيّة للإمام عليه السلام، ثمّ منحها للآخرين وإنفاقها عليهم.
- كان فتح الأندلس في عهد الوليد بن عبد الملك. المترجم
- عبارة كنائيّة المراد منها الشخص العامّي الذي لا أهليّة له لتقلّد مثل هذا المنصب، وليس المراد منها ـ لا سمح الله ـ التنقيص من أصحاب هذه التجارات. المترجم
