
بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأجوف
في هذا المجلس، يستعرض سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، في هذه المحاضرة التي ألقيت في 15شهر رمضان لعام 1434هـ ق، بعض الفوارق الموجودة بين نوعين من الإسلام إن صحّ التعبير: الإسلام الحقيقي والإسلام الظاهري الأجوف، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: هل يُمكن الوصول إلى حقيقة الإسلام عن طريق مقدّمات ووسائل فاسدة؟ ماهي النتائج المترتّبة عن تغليب الأمور الظاهريّة على الباطنيّة؟ هل ينبغي علينا الاهتمام بانتشار الإسلام وأبّهته الظاهريّة بأيّ ثمن كان؟ ما هي قيمة الإسلام الذي يفتقد للولاية؟ هل ينسجم الدين الإسلامي مع الكذب والخداع؟ وقد أثرى سماحته هذا البحث بمجموعة من النماذج والأمثلة عن بعض الصحابة في صدر الإسلام، بالإضافة إلى بعض النماذج المعاصرة.
بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأجوف
5فبما أنَّ عمر قد وصل من حيث العلم إلى الحدّ الذي فاق فيه كلاًّ من ابن سينا وأفلاطون، نراه يستبدل عبارة «حيَّ على خير العمل» بعبارة «الصلاة خير من النوم»؛ فيا له من عقل، ويا له من نبوغ، ويا له من تجديد! فهذا أيضاً من ضمن إفاضات عمر وإفاداته؛ ولقد فاق عدد الأحكام التي بدَّلها عمر الثلاثين مورداً وفقاً لما أحصيته في إحدى المرّات.
وها نحن اليوم نرى البعض من أولئك الخطباء ـ وغيرهم من الأشخاص الذين لا علم لهم ـ يسيرون على نفس ذلك النهج ويطوون نفس ذلك المسير؛ فيقومون بإبداء وجهات نظرهم بشأن الأحكام والمبادئ والاعتقادات؛ وقد كنت أستمع يوماً إلى خطبة أحدهم، فتعجّبت كثيراً وقلت: كيف يُسمح لأمثال هذا بالحديث إلى الناس؟ لقد أصبح الوضع اليوم بحيث يُسمح لكلّ من يستطيع صياغة جملتين منمّقتين بالجلوس خلف لاقطة الصوت ليشغل أوقات الناس ويتحدَّث ساعة أو ساعتين بشأن هكذا مواضيع.
فمع أنَّ أمير المؤمنين قد قال: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ منافق أو معاند،۱ يأتي ذلك الخطيب ليقول: "إنَّ عمر حرَّم المتعة لمصلحة قد رآها، فما هو الإشكال في ذلك؟!" فما هو الاسم الذي يُمكننا أن نُطلقه عليك يا هذا؟! وما هي عقيدتك إذ تتفوَّه بمثل هذا الكلام وتُدافع عن عمر في عاصمة دولة شيعيّة؟!
حسناً، ينبغي علينا ألاّ نتعجّب كثيراً!
على كلّ حال، فتلك هي رؤية هذا الشخص للإسلام؛ فإسلامه هو ذلك الإسلام الظاهري.. إسلام التطبيل والضجيج والصخب والفوضى؛ فينحصر الإسلام في كونه مدرسة ومذهباً عليه أن ينتشر في جميع الأنحاء، بحيث على الجميع أن يأتوا وينضمّوا إلى هذا التيّار ويتحرّكوا من خلاله وفقاً لمنهج خاصّ؛ كما يحصل في دورة التدريب العسكري التي يجري فيها التمرين حول كيفيّة الاستدارة إلى اليمين والشمال وفعل كذا وكذا؛ فهذا هو فهم الكثير من الناس للإسلام، فيُصبح القيام بأيّ عمل تحت ظلّ هكذا إسلام أمراً جائزاً ومستساغاً؛ سواءً كان ذلك كذباً، احتيالاً، سرقةً، نفاقاً، كتماناً للحقائق.. كلّ ذلك يكون ممّا لا بأس به إذا كان يصبّ في المجرى الموصل إلى الهدف المطلوب؛ فلأجل تحقيق هكذا هدف، يكون من الجائز قتل بنت رسول الله، وسحب عليّ بالحبال إلى المسجد، وإضرام النار بباب بيت الوحي؛ نعم، يكون كلّ ذلك جائزاً ولا إشكال فيه إذا كنّا نريد الوصول إلى هذا النوع من الإسلام. فأبو بكر وحزبه لم يكونوا يطلبوا من الناس أن يُصبحوا يهوداً أو مجوساً أو نصارى، بل كانوا يدعون الناس إلى الإسلام؛ ولكن أيّ إسلامٍ؟ إنَّه ذلك الإسلام الذي يكون ثمنه إضرام النار في بيت رسول الله؛ فأيّ إسلامٍ هذا؟ [إنَّ تبريرهم للأمر هو] إنَّ المصلحة تقتضي الآن إضرام النار في بيت الوحي، ومن أجل بقاء هذا الإسلام، إذا ما اقتضت المصلحة قتل بنت النبي، فلتُقتل!
- وردت هذه الرواية في المصادر بهذا النحو: "جاء في الخبر عن علي عليه السلام: لو لا ما فعل عمر بن الخطاب في المتعة ما زنى إلاّ شقيّ وقيل ما زنى إلا شفا أي قليلاً" (شرح نهج البلاغة، ج ٢۰، ص ٢٥). المترجم
