
بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأجوف
في هذا المجلس، يستعرض سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، في هذه المحاضرة التي ألقيت في 15شهر رمضان لعام 1434هـ ق، بعض الفوارق الموجودة بين نوعين من الإسلام إن صحّ التعبير: الإسلام الحقيقي والإسلام الظاهري الأجوف، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: هل يُمكن الوصول إلى حقيقة الإسلام عن طريق مقدّمات ووسائل فاسدة؟ ماهي النتائج المترتّبة عن تغليب الأمور الظاهريّة على الباطنيّة؟ هل ينبغي علينا الاهتمام بانتشار الإسلام وأبّهته الظاهريّة بأيّ ثمن كان؟ ما هي قيمة الإسلام الذي يفتقد للولاية؟ هل ينسجم الدين الإسلامي مع الكذب والخداع؟ وقد أثرى سماحته هذا البحث بمجموعة من النماذج والأمثلة عن بعض الصحابة في صدر الإسلام، بالإضافة إلى بعض النماذج المعاصرة.
بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأجوف
12إنَّ هذا الشخص هو ذلك الذي ذكره المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرَّد.. ذلك الفلاّح الفلاني الذي تحدّث معه، ولم يستطع الإجابة، وبعدها عاد إلى سابق إنكاره؛۱ وإنَّه لأمر عجيب حقّاً!
فكان آخر ما قلته له: أيّها الحاج، خذ فأسك، واذهب لزراعة الحنطة ـ بهكذا عبارات ـ ما لك وللخوض في هكذا مواضيع؟ فأنت جاهل، وغير متعلّم، وتأتي لتجمع الناس حولك، وتتحدّث إليهم.. تعال هنا، تعال إليَّ، ما هذا الذي تتفوَّه به؟
لقد قُضي عليه في ذلك اليوم، ولم يحصل له طوال عمره أن مرَّ بموقف كهذا وفضيحة كهذه، وقد ذكرت سابقاً بأنَّني فعلت ذلك لكونه أهان المرحوم العلاّمة، فقلت له: اصبر سأُريك!
التفتوا، فنفس هذا الشخص يُقيم مجالس عزاء سيِّد الشهداء، ومجالس تدريس الأخلاق وينقل مواعظ وحكايات العظماء وأمثال ذلك، لكن في مقابل ماذا؟ في مقابل المواضيع التي كان يطرحها المرحوم العلاّمة، وما كان يطرحه المرحوم السيِّد الحدّاد، والمجالس التي كان يُقيمها المرحوم الأنصاري وبقية العظماء؛ فما حقيقة ذلك؟ إنَّ هذا هو العرفان الظاهري وعلم الأخلاق الظاهري، وهذا هو العرفان وعلم الأخلاق الأجوف في مقابل الحقيقي، وهما يقعان في مقابل بعضهما البعض تماماً؛ علماً بأنَّ لكلا الطريقين أُسسٌ، ولكليهما مسير وأتباع ومريدين؛ فلهذا الطرف أتباعه المتمسّكين بمبادئه، ولذلك الطرف أتباعه.
فهل أصبح معلوماً الآن أنَّ الإسلام ليس هو ذلك الذي يُنادى باسمه في كل مكان، بل الإسلام هو ذلك الإسلام المتضمِّن للحقيقة النورانيّة لولاية المعصوم عليه السلام؟ فهذا الإسلام يجب أن يتضمَّن الصدق المحض، والأمانة المحضة، والعدل المحض، والأخلاق المحضة؛ فكلّ صفة حسنة فيه لا بدَّ أن تكون محضة، وإلاّ فهو ليس من الإسلام بشيء، وإذا ما أردنا الإشارة إلى الإسلام الآخر، فسيكون مثله الأعلى هو إسلام عمر بن عبد العزيز؛ فقد تصرَّف بالشكل الذي جعل الناس ـ كما ذكرت في الليلة الماضية ـ يبكون عند تشييع جنازته، حيث كان يعدل بينهم، ويُطيّب خاطر المظلومين؛ وكان يفعل ذلك حقّاً، لكن يبقى في الأخير أنّ غصبه لحقّ الإمام عليه السلام هو أمر آخر؛ فعلى الرغم من علمنا بتفاوت تصرفّاته عن بقيّة الخلفاء، وكون منزلته لا يمكن أن تتساوى مع منزلة هارون والمأمون ومعاوية، غير أنَّ عليه أن يُجيب في يوم القيامة عن مسألة غصبه للخلافة، وسيُسأل عن ذلك، وأمّا ما سيؤول إليه أمره، فعلم ذلك عند الله؛ فالله والأئمّة هم العالمون بالذي سيفعلونه.. فهذا الإسلام غير ذلك الإسلام!
- راجع: الروح المجرّد، ص ٥۸. المترجم
