
هل الغاية تبرر الوسيلة؟
كثير من الناس يعتقدون أن الغاية إن كانت صالحة، فيمكن للإنسان أن يستخدم أيّة وسيلة للوصول إليها، و هو ما يعبّر عنه بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة. فهل هذا المبدأ صحيح ؟ أجاب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذا السؤال من خلال تحليل مواقف أمير المؤمنين ، و دراسة حركة الإمام الحسين عليهما السلام.
هل الغاية تبرر الوسيلة؟
18نحن نرى بحسب الظاهر أنَّ حركة الإمام الحسين عليه السلام كانت بناءً على الرسائل التي جاءت من الكوفة، فقد أرسل أهل الكوفة أربعة آلاف رسالة: أن أقبِل يا حسين، وما شاكل ذلك. هذا بحسب ظاهر الأمر، أمّا الباطن: فماذا كان الباطن؟ يقول الإمام: لا عودة لهذه القافلة فهي سائرة والموت يحدوها، القوم يسيرون و المنايا تسير بهم.
كان الإمام عليه السلام يُبيِّن هذه الأمور في طيِّ أحاديثه، كان يقول: لا تتوقَّعوا بأنَّ طريقنا مفروش بالورود، فظاهر الأمر هو أنَّنا سائرون لفتح الكوفة وإسقاط حكومة يزيد لعنه الله، ولكنَّ واقع الأمر هو أنَّنا سنُستشهد في أرض كربلاء؛ حتّى إنَّه كان قد قال للقاسم رضوان الله عليه: وأنت ستُستشهد أيضاً يا ابن أخي، ثم بكى وقال: "بعدَ أن تُبتلى ببلاء عظيم"۱. وهو ذلك البلاء المتمثِّل في لحظات احتضار القاسم وهو أمر له قصة... نعم، لقد أخبر القاسمَ بذلك ليلة عاشوراء.
ثم يقول الإمام عليه السلام: بل إنَّهم سوف لن يتوانوا عن قتل ابني الرضيع هذا ـ عبد الله الرضيع والذي نُسميه بعليّ الأصغر ـ فسيُستشهد هو أيضاً.
هل تلاحظون كيف كان الإمام يُبيِّن تفاصيل الأمور، فكان يقول: من يشأ، فليَعُد؛ فنحن لا نقصد يزيداً أو ابن زياد أو السيطرة على الكوفة، نعم ذلك هو هدفنا في ظاهر الأمر؛ ولكنَّنا نرمي ونسعى لتحقيق شيء آخر، ألا وهو لقاء الله وإمضاء صحيفة أعمالِنا؛ فنحن نسعى لإمضاء هذه الصحيفة في يوم عاشوراء؛ فمن شاء أن تُمضى صحيفته فليبقَ معنا على الرحب والسعة. فقال بعضٌ منهم: نحن نريد أن تُمضى صحيفتنا، فنحن معك أينما ذهبت.
قال زهير: لو قُتلتُ ألف مرة، لما تركتك! نعم، لقد كانوا صادقين بأجمعهم فيما قالوا، وكذلك قال مسلم بن عوسجة وعابس. فكان كلّ ما قالوه يقينًا محضًا، إيمانًا محضًا، نيّةً محضةً، خلوصًا محضًا، توحيدًا محضًا، ولايةً محضةً؛ فلقد وضعوا أقدامهم حيث وضع الإمام الحسين عليه السلام قدمه. لقد عرفوا ما هي الغاية وما هو الهدف.
فمَنْ مِن هؤلاء الاثنين والسبعين كان قد جاء إلى كربلاء من أجل إسقاط يزيد؟! لقد كان ذلك هو هدف أولئك الذين جاؤوا مع الإمام الحسين ولكنّهم غادروا في ليلة عاشوراء وتركوا الإمام عليه السلام، فلقد كان هدفهم هو القضاء على يزيد وابن زياد، ولمّا رأوا بأنَّ ذلك الهدف سوف لن يتحقّق فرّوا بأجمعهم، فقال الحسين: أطفِئوا المصابيح لكي لا يخجلوا. اذهبوا ودعونا نواصل عملنا، فنحن لا نستطيع ذلك مع وجودكم؛ فهنالك قمامة كثيرة، ولا بُدّ من التخلِّص منها، ولا بُدّ من غربلتها و فرز الجيّد من الرديء؛ فمن كان يحب زوجته و أولاده و متعلقًا بهم فليذهب إليهم، و من كان حريصاً على الضِيَاع والبساتين فليرجع إليها، ومن كان يحبّ الحفاظ على حياته فليذهب أيضاً، ليذهبوا ولا يخجلوا؛ ولقد ذهبوا بالفعل.
- الوقايع والحوادث، ج ٣، ص ٦٢.
