
هل الغاية تبرر الوسيلة؟
كثير من الناس يعتقدون أن الغاية إن كانت صالحة، فيمكن للإنسان أن يستخدم أيّة وسيلة للوصول إليها، و هو ما يعبّر عنه بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة. فهل هذا المبدأ صحيح ؟ أجاب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذا السؤال من خلال تحليل مواقف أمير المؤمنين ، و دراسة حركة الإمام الحسين عليهما السلام.
هل الغاية تبرر الوسيلة؟
13لقد كان لأمير المؤمنين نشاطاً وفعاليّة في جميع أوقات الحرب؛ ففي ليلة الهرير، تلك الليلة العجيبة، كان يخوض القتال وكان يُرسل الحسنين ومحمّد بن الحنفية فيعودون مخضَّبين بالدماء وقد أصابتهم الجِراح، لقد كان الدم ينزف من كافّة أعضاء بدن محمّد بن الحنفية. فرغم أنّ أمير المؤمنين كان يرى بعينيه النهاية الخاسرة لهذه الحرب، إلاّ إنَّه لم يكن ليخبر بذلك أحداً غير الخواصّ من أصحابه ممّن له القدرة على تحمَّل الموضوع، وهم بدورهم لا يُخبرون أحداً سوى أمثالهم ممّن لا يبوح بالسِّر، فتراهم يقفون باستقامةٍ و ثبات، ويتصرّفون بشكلٍ طبيعي، ولكنَّهم يضحكون على الآخرين بقلوبهم، ويقولون ستَّتضح النتيجة في نهاية المطاف!
فلو نظرت إليهم في الظاهر، فستجدهم هادئين ثابتين، يقولون: أجل، لنذهب للقتال، لنحمِل البنادق، والسيوف، والمدافع، والصواريخ، وما شاكل ذلك، ولكن ما الذي يجري في داخل نفسهم؟ لا يخطر ببالهم سوى العمل وفقاً للتكليف الإلهيّ. ما الذي يعنيه هذا؟ هذا يعني أنّ هذا هو هدفهم و مقصدهم، و هذا الهدف قد تمّ تحقيقه!
إن كان الهدف إلهيّاً، فإن العوائق لا تقف أمامه
ألم يتمكَّن أمير المؤمنين من تحقيق هدفه؟ بلى، لقد تمكَّن من تحقيقه وبأفضل وجه. إنَّ تحقيقه لهدفه هذا كان بالشكل الذي جعل الجميع يضعون أيديهم على أفواههم من التعجُّب؛ كتصرّفه في قضيّة فتح شريعة الماء أمام أهل الشام بعد غلقها من قبل معاوية، أو امتناعه عن قتل عمرو بن العاص، أو منحه لتلك الفرص للخصم لكي لا ينهزم، وما شاكل ذلك من دقائق الأمور؛ لماذا؟ لأنَّه يريد الوصول إلى هدفه، ولا بدَّ من اختيار هذا الطريق للوصول إليه. فما هو هذا الهدف؟ إنَّه الهزيمة الظاهريّة! فأمير المؤمنين قد تمكَّن من تحقيق هدفه.
لو كان أمير المؤمنين قد انتصر في هذه الحرب، لما كان قد حقَّق هدفه؛ فهدفه هو الهزيمة الظاهريّة، وفي هذه الهزيمة الظاهريّة يجب أن يُصاب بالسهم والسيف وينزف الدَّم، ويتحمَّل الحرَّ والبرد، وعليه أن يخاطب القوم ويحرّضهم على القتال.
ولكن و بما إنَّه إمام و بما إنَّه واسطة لتنزيل المشيئة الإلهيَّة من عالم التقدير إلى عالم التنزيل وعالم الشهادة، فهو يعرف كيف يُقَدِّر الأمور: فهو يكون مُتشدِّداً تارةً، ومُتسامِحاً أخرى؛ يُقاتل في بعض المواطن، ويترك القتال في أُخرى؛ يعفو أحياناً ويُعاقب في أحيان أُخرى. كلّ ذلك التدبير وتقدير الأمور يكون في إطار تحقيق المشيئة الإلهيّة والمتمثِّلة في الهزيمة الظاهريّة في هذه الحرب. فالمشيئة الإلهيّة تقتضي عدم وقوع الشام في قبضة أمير المؤمنين. فما دامت تلك هي المشيئة الإلهيّة، فكيف يمكن تقديرها؟ وكيف يمكن ترتيب الأمور من أجل تحقيقها؟ إنَّه يعلم بأنَّ ذلك هو التقدير الإلهيّ، وأنّه يجب السير بموجبه. و حينئذٍ فإذا ما جئتَ أنت واتّبعت عليّاً في حركاته وسكناته و أطعت أوامره: إن قال لك تحرَّك، تتحرَّك ولا تُهمهم وتتذمَّر دائماً في هذا المسير وتقول: ما الذي يحصل يا عليّ؟ فها هو شهر قد مضى، وأهلنا قد اشتاقوا إلينا!
