
من الذي أودع فينا الأمل العظيم
من الذي أودع فينا هذا الأمل العظيم (الوصول إلى مقام خلافة الله)؟ ومن أين جاءت هذه الأمنية ؟ و ما هو ارتباط هذا الأمر بعالم الخلقة و التكوين؟ يجيب سماحة آية الله الحاج السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره على هذا الموضوع المهم ، وذلك بعد أن يبين حقيقة المخلوقات و نحو ارتباطها بالله تعالى، و كيفية ارتباط ذلك بالسير والسلوك و الأمل العظيم الذي يتحدّث عنه الإمام السجاد عليه السلام.
من الذي أودع فينا الأمل العظيم
9واضح؟ إنّ هذا البحث هو نفس ذلك الذي كنّا نقوله، يعني إنّ السالك يتحمّل كلّ هذه المشقّات، ويؤدّي هذه الأذكار، ويستيقظ في الأسحار، ويلتزم بالسلوك وما يلزم منه من اللوازم والتبعات.. يفعل ذلك من أجل أمرٍ واحدٍ وهو أن يزيل ذلك القشر الذي تحت الماء الذي يمثّل حدّ هذا الكوب، حتّى يُشاهد أنّ ماء الكوب وماء الحوض ماءٌ واحدٌ، والحقيقة أنّ الماء واحدٌ فعلاً، إلاّ أنّه لا يدرك ذلك ولا يشاهده!
إنّ الله لا مفرّ منه إلا إليه
ومن هنا يتبيّن أنّ مبدأنا منه ومآلنا إليه أيضاً: «يا من لا يُفرّ منه إلاّ إليه»۱، وسيأتي مثله في المقاطع القادمة من دعاء أبي حمزة أيضاً... أجل، فنحن نفرّ منه، و لكنّ إلى أين هذا الفرار؟ أوَ هناك ملجأ غير الله حتّى نفرّ إليه؟! أوَ هناك مكان آخر غير حقيقة الوجود تلك، حتّى يمكنك أن تفرّ من هذا الوجود إلى ذاك الوجود، بأن نقطع المسافة من هذا الوجود إلى ذاك الوجود؟! أم أنّ الأمر ليس كذلك، بل الحقيقة أنّ أيّ مقصدٍ تؤمّه فستجد أنّ وجود حضرة الحقّ قد استولى عليه !
إذن فإلى أين تفرّ؟ إلى عند الله! وبالتالي سنفرّ من الله إلى الله.
أينما أردنا الذهاب، فسيقول الله: اذهب. إن أردت أن ترتكب المعاصي، فهل تظنّ أنّي لا أعلم ماذا تفعل؟! اذهب، أينما تذهب فلا زلت هاهنا!! مثل البستان الذي يبنون سوراً حوله، فنظنّ نحن أنّه بلا نهاية، فعندما نرغب بالفرار من هذا البستان، فأينما تفرّ ستصل في النهاية إلى السور، وعليك أن تعود في النهاية، وليس هناك من سبيل للخروج.
حسناً، هذه هي المسألة وهذه هي الحقيقة، وهذه الواقعيّة هي نفس المسألة التي عبّر عنها الإمام عليه السلام بالعظمة في دعائه، حيث قال: «عظم يا سيّدي أملي».
من يدرك مقام العظمة يعزف عن الجزئيات، بخلاف الغافلين
حسناً، نحن كنّا قد بيّنا أنّه لا يوجد هناك من مقامٍ أعلى من هذا المقام، وهنا يوجد العديد من الأدعية و[الروايات] الكثير الكثير إلى ما شاء الله، مثلاً يقول الإمام السجاد: «إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ، فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً؟!» فما هو سرّ هذه الكلمات؟ [ولماذا كانت تصدر منهم عليهم السلام؟] كلّه من أجل الوصول إلى مقام العظمة؛ فمن يصل إلى هذا المقام، هل يمكن له أن يلتفت أو أن يفكّر ويأمل في غيرٍ من الأغيار؟!! لقد وصل بنفسه إلى منبع العظمة! فهل يمكن أن نتصوّر بعد ذلك أن يميل إلى الأغيار؟! وهل أصلاً يمكن أن نقبل بذلك من الناحية العقلانيّة أن يكون هناك إنسانٌ قد وصل إلى مرتبة العظمة هذه ثمّ يميل إلى ما هو دون العظمة؟! ما معنى ذلك؟! هذا الأمر محال وغير ممكن.. أصلاً لا يمكن! وهنا نفهم لماذا لا يميل العرفاء إلى الدخول في المسائل الجزئية والخصوصيّات.
- اقتباس من دعاء الجوشن الكبير حيث يقول عليه السلام: (يا من لا مفر إلا إليه ، يا من لا مفزع إلا إليه، يا من لا مقصد إلا إليه ، يا من لا منجى منه إلا إليه) (المترجم).
