
الأمل العظيم والعمل
تناول سماحة آية الله الحاج السيّد محّمد محسن الحسيني الطهراني في المحاضرة الثانية من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة، في الخامس من رمضان لعام 1434، ضرورة وجود تناسب بين الوسيلة والهدف المرجو، مبيّناً اختلاف ظواهر أهل الدنيا إلا أن حقيقتهم واحدة، وأنّه يمكن لأي شخص أن يضع نفسه مع الإمام الحسين أو مع عمر بن سعد، ولفت إلى ضرورة بيان الأحكام الشرعية دون مداهنة، ثم بيّن أن الأمل العظيم في دعاء الإمام هو ذات الباري تعالى، وأنّ الأولياء لم يكونوا يطلبون سوى ذات الله دون سواها.
الأمل العظيم والعمل
7الأمل العظيم هو ذات الباري تعالى
وهنا يقول الإمام السجاد عليه السلام: إلهي لقد عرفنا أمر الدنيا، ورأينا أمثال ابن زياد ـ هذا لسان حاله ـ ورأينا أمثال يزيد ومعاوية وأمثال سنان، وفي المقابل رأينا أبانا وجدّنا ورأينا الأولياء وأصحاب والدي كيف كان فداؤهم له وكيف كانوا يتسابقون إلى ذاك الأمل العظيم الذي يشير إليه الإمام السجاد عليه السلام، حيث جعلوا هدفهم ذاك الأمل.. يقول إلهي لقد شاهدنا جميع هذه الأمور، ورأينا اعتبارية هذه الحياة الدنيا؛ فاليوم ترفع هذا الإنسان وغداً تضع الآخر، اليوم يتم مدحه وغداً ينتقد بألف انتقاد، اليوم كذا وغدا كذا. فقد رأينا هذه الحالة، رأينا اليوم يقولون شيئاً وغداً يقولون شيئاً آخر. إلهي ليس لدينا وقت وفرصتنا قليلة! والحال أنا نريد الخروج من هذه الأجواء، فما الذي يمكننا أن نضعه عوضاً عن هذه الأجواء؟ انظروا الإمام السجاد هنا يعلّمنا ما الذي ينبغي أن نطلبه! يقول إذا كان العاقل قد شاهد هذه الدنيا وخبرها، وأراد أن يعوّضها بشيء أفضل وعرف أنّ هناك شيئاً وراء هذه الدنيا.. فما هو الشيء الذي يطلبه عوضاً عنها؟ وما النعمة التي يطلبها؟ كل ما يريد الإنسان أن يضعه بدل هذه الدنيا في مقابل عمله لن يساوي ما وضعه الله تعالى لنا في الآخرة وما جعله في اختيارنا. نقول هناك في ذاك العالم نِعم وأمور وكل شيء.. نقول نَعم نحن نقبل بذلك! فجميع هذه الأمور صحيحة ومحفوظة في مكانها، لكن هل تقف المسألة عند هذا الحدّ؟ إذا كان الأمر كذلك، فما معنى ﴿ولدينا مزيد﴾۱إذاً؟ حيث يقول القرآن بأنّ هناك غير هذه النعم التي ذكرناها لكم! بمعنى أنه لدينا صندوقاً فيه كل شيء، وهناك أمور أخرى، فما هي هذه الأمور الأخرى؟
فكر بهشت و حوري و غلمان كجا كند *** دلداده عاشقى كه نگارش برابر است [ماذا يفعل العاشق بالجنة والحور والغلمان؟ فما يُعطى قلبه أعلى منها بدرجات]
تلك العبارة لدينا مزيد تعني أن هناك شيئاً آخر لا يعطى لأي شخص، بل بحاجة إلى أشخاص محدّدين، وقد جعلناها للأشخاص الذين ليس فقط أتوا إلينا وتركوا ما تمسّك به أهل الدنيا ـ فقد ذكرنا أن العاقل العادي لا يفعل ذلك فما بالك بالإمام! فهل يفعل العالم العاقل ما يقوم به أهل الدنيا من أعمال؟! ـ ليس فقط تركوا ذلك، بل تركوا سائر النعم الأخروية أيضاً وتجاوزوها، هؤلاء أعددنا لهم ذاك المزيد! فمسألة لدينا مزيد، تعني أن هناك نعماً أخرى غير جميع ما يتصوّره الإنسان؛ من آثار ذات الباري تعالى والنعم والأسماء والصفات الكلية ونزولها إلى المراتب الجزئية وظهورها في ما يوجب التذاذ النفس وانبساط روح الإنسان وابتهاجه.. جميعها في مرتبة آثار الذات، جميع هذه في مرتبة ظهور وبروز الذات الإلهية؛ فهي تظهر تارة بصورة حور وغلمان، وأخرى بصورة جنان تجري من تحتها الأنهار من عسل مصفى ولذّة للشاربين، وثالثة بصورة سائر النعم الأخرى؛ كلٌّ في مرتبتها الخاصة التي توجب ابتهاج النفس.. جميع هذه الأمور ـ دون فرق بينها ـ من آثار ذات الباري تعالى. أمّا لدينا مزيد، فهي شيء آخر في ذاك العالم، بل حتى في هذا العالم أيضاً، إذ لا اختصاص لها بذاك العالم، فالأولياء والعرفاء الإلهيون يصلون في هذه الدنيا إلى ما وعد الله تعالى عباده في ذاك العالم، وذاك عبارة عن ذات الباري تعالى نفسها، وهذا هو حقيقة الوصول إلى ذات الباري تعالى، والوصول إلى الحقيقة غير المتناهية له تعالى، والوصول إلى أي شيء لا يمكن لأي نعمة أخرى أن تقارَن بها، أنظروا إلى الخواجة ماذا يقول:
- سورة ق، الآية ٣٥.
