
الأمل العظيم والعمل
تناول سماحة آية الله الحاج السيّد محّمد محسن الحسيني الطهراني في المحاضرة الثانية من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة، في الخامس من رمضان لعام 1434، ضرورة وجود تناسب بين الوسيلة والهدف المرجو، مبيّناً اختلاف ظواهر أهل الدنيا إلا أن حقيقتهم واحدة، وأنّه يمكن لأي شخص أن يضع نفسه مع الإمام الحسين أو مع عمر بن سعد، ولفت إلى ضرورة بيان الأحكام الشرعية دون مداهنة، ثم بيّن أن الأمل العظيم في دعاء الإمام هو ذات الباري تعالى، وأنّ الأولياء لم يكونوا يطلبون سوى ذات الله دون سواها.
الأمل العظيم والعمل
10ما هذا الكلام الذي يدوّن في الكتب؟ ما الذي يريدون أن يثبتوه بهذا الكلام؟ من الذي يريدون أن يرفعوه ومن يريدون أن يضعوه؟!
الأولياء لم يكونوا يطلبون سوى ذات الله دون سواها
لذا الإمام السجاد يطلب من الله تعالى هذا الأمر، فيقول: إلهي عندما تعرّفت على ذاتك فلن أطلب غيرها! فلن أريد غيرها؛ سواء كانت الجنة أم لم تكن، لأني أريد الوصول إلى تلك العظمة؛ عظم يا سيدي أملي، وهو الوصول إلى ذاتك، وذاتك حقيقةً بحيث أن كل شيء يُتُصوّر غيرها سيكون دونها، ولا أريد أن أكتفي بما دونك.
لذا ورد في كلمات المرحوم العلامة .. واقعاً عبارات العرفاء عجيبة فهم لا يمزحون ولا يخدعون أحداً، بل يريدون أن يصل الناس إلى ما وصلوا هم إليه، فالإنسان يمكنه أن يطّلع على مستوى الإنسان من خلال كلامه، فمثلاً يرى شخصاً جيداً جداً، لكنه منشغل دائماً بالأمور الخارقة للعادة وغير العادية وأمثال هذه المسائل، فهذا تعرف أنه في حدود عالم المثال، لا أكثر، وترى شخصاً آخر عندما يتحدث يحدّث عن ظهور إمام الزمان وأنه متى يظهر وغيرها من المسائل، فهذا تعرف أنه في هذا المستوى ليس أكثر، وشخص آخر عندما يتحدّث يتحدّث عن مسائل أعلى؛ عن المكاشفات وغيرها.. فهذا نعرف أن لديه شيئاً لكن ليس هو المطلوب، العظماء والأولياء ـ وقد أدركت هذه المسائل منهم بنفسي ـ لم أر أنهم كانوا يتنازلون في كلامهم عن المرتبة التي هم فيها، وبما أنهم لا يستطيعون بيان ما هم فيه بشكل واضح، كانوا يبيّنون للناس تلك المرتبة وعنوان ذاك المكان، ويعينوا تلك الجهة بكلامهم وحركاتهم وإشاراتهم، ويسوقوا الناس نحوها، لا إلى المراتب الأدنى والمسائل البسيطة والأفق العادي، ويمكن للإنسان أن يعرف مستوى هذا الشخص من خلال إدراكه للحقيقة التوحيديّة. لذا كان المرحوم العلامة وكذا المرحوم السيد الحداد ـ بحسب ما كنت أشاهد وأرى منهم ـ عندما كانوا يتحدّثون مع الأشخاص يأخذون الله فقط في الحسبان ورضا الله والوصول إليه، فعندما كانوا يطلبون فعلاً معيناً، فما هو الأمر المتوقّع من هذا الفعل؟ بعضهم يقول: رضا الله، بينما هم يقولون فقط ذات الله تعالى، وكانت عبارة ذات الله تتكرر دائماً على ألسنتهم، حيث كان المرحوم العلامة يقول: لا تتنازل عن ذات الله تعالى.. ما تقوم به ينبغي أن لا تأخذ بالحسبان غير ذات الله أبداً. لا بد أن هناك أجراً وثواباً، لكن ينبغي أن لا تتخلى عن الذات، لا تمزج الذات بغيرها حتى في فكرك، لا تجعل ذلك يخطر في ذهنك حتى، من أول الأمر ينبغي أن لا ترى غير الذات. وإذا كان الأمر كذلك، فكم يترك هذا الأمر أثراً على الإنسان؟ وكم يفرق الأمر بين الشخص الذي يعمل على هذا الأساس، وبين الأمور الأخرى التي توجب أنس الناس بهم، أو غير ذلك.. كلا، بل يريدون ذات الباري تعالى؛ سواء استحسن الناس ذلك أم لا، وسواء صفق الناس لنا أم لا، وسواء قال الناس غير ذلك أم.. تلك المرتبة ينبغي أن لا نتخلى عنها، هذا هو الطريق الذي سلكه وبينه لنا العظماء تبعاً لأولياء الدين والأئمة الهداة كالإمام السجاد عليه السلام.
