
التناسب بين الهدف والطريق
قد تابع في هذه المحاضرة سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني قدس سره الحديث في رحاب فقرة: عظم يا سيّدي أملي وساء عملي فذكر أنّ العرفاء بالله هم الذين يبيّنون للناس الهدف الصحيح ويقوّمون مسيرهم نحوه، من خلال ما يوجّهونه إليهم من تنبيهات، إلا أنّ الناس أمام ذلك على أقسام: فمنهم من يستجيب ويصلح، ومنهم من يقف معانداً، ومنهم من يقرّ بالخطأ ولكن يتساهل في الإصلاح، ومنهم من لا يريد أساساً أن يختار الهدف الصحيح كما فعل عمر بن سعد.
التناسب بين الهدف والطريق
9الأولياء والعظماء إنّما أتوا ليبيّنوا لنا هدفنا ويصحّحوا نوايانا، لنعمل على إخراج ما اختلط، وتصحيح النيّة وتصويب السير نحو الهدف المطلوب والمقصد الصحيح.. إذ ما هو الطريق الذي تريد أن تطويه، وما هو مقصدك وهدفك، وما هو المطلوب الذي تبحث عنه؟ أولاً عليك أن تصحّح هذه الأمور، ثم ابدأ بالسير.. حتى لا يكون هناك تعارض بين سيرك ومقصدك.
خلاصة ما يريده الإمام السجّاد من قوله عظم يا سيّدي أملي
فالإمام السجّاد عليه السلام في قوله: «عظم يا سيّدي أملي وساء عملي» يريد منّي أن لا أختار طريقاً بعيداً عن المقصد عندما أريد الشروع في السير إليك يا ربّ؛ كأن يكون مراد إنسان ما الذهاب إلى طهران فيسلك طريق شيراز الذي يقع في الجهة المقابلة تماماً، فهذا الطريق لا يوصل أبداً إلى ذاك الهدف. أو أن يكون مراده الذهاب إلى مكان فيختار الطريق المعاكس له تماماً، فهذا الشخص لا يمكنه الوصول أبداً. لذا فقد أتى العرفاء لأجل أن يحصل توافق بين النيّة والعمل، وأن يطابق بينهما.
فضلاً عن أن بعض الأشخاص ـ كما سنبيّن ذلك في الليالي الآتية ـ لا يريدون أساساً الوصول إلى ذلك المقصد، يقولون نحن نريد أن نبقى هنا في هذا المكان. فما الذي ذكره الإمام الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء لعمر بن سعد، قال له ما الذي تريد؟ ما الذي تريده من هذه الدنيا حتى أعطيك إياه؟ إذا أردت الجنّة أعطيك الجنّة، وإذا أردت ممتلكات أعطيك مزرعة في المدينة، إذا كان عليك دين فأنا أدفعه عنك، ما هو الشيء الذي تريده، وما هو غرضك حتى عبّأت هذا الجيش، لماذا أتيت؟ لقد ضمن الإمام هناك الجنّة لعمر بن سعد، وعمر بن سعد كان على يقين بأنّ ما يقوله الإمام الحسين صحيح وحق، ويقسم على ذلك حتماً. لكنّه في نهاية المطاف قال له: لا يمكنني أن أتنازل عن ملك الري، فقال له الإمام لن تأكل من قمح الريّ شيئاً، فأجابه مستهزئاً: يكفيني شعيرها. عندما ينقلب قلب الإنسان يبدأ بالاستهزاء بالإمام أيضاً.. هل التفتم؟ يقول إذا حصلت على شعيرها كفاني.. يعني يأتي ويقتل الإمام عليه السلام وابن النبي ومن يمتلك مفتاح الجنّة والنار ومظهر تنزيل وتكوين وتحقيق إرادة الله في عالم الوجود.. هل يمكن لأحد أن يعمل عملاً مخالفاً لإرادة الإمام الحسين؟ وهل يمكن لخازن جهنّم ورضوان الجنّة أن يعملا شيئاً مخالفاً لإرادة الإمام الحسين؟ من بيده جميع مقاليد الدنيا والآخرة يقول له: أنا أضمن لك الجنّة. فيقول له: أنا أريد الحكومة.. يريد الحكومة حتى يقال: فلان صار حاكماً.. إذا صار الإنسان حاكماً ورئيساً فما هو المقدار الذي يزيد فيه؟ علينا أن نفكّر في هذه المسألة.. أنا لست حاكماً، ولن أكون إن شاء الله.. فإذا فرضنا أنه أتانا غداً تعيين وقالوا لنا: أيها السيّد الطهراني لقد صرت حاكماً في المكان الفلاني.. فهل يضاف على وزني شيء؟ كلاّ لا يضاف غرام واحد، اختبروا الأمر بأنفسكم، زنوا أنفسكم غدا، وبعد ساعة يأتي أمر تنصيبكم في المكان الفلاني.. عندما يأتي الخبر بذلك تصل بسمتنا إلى أقصاها هذا أولاً، ثم ننتقل إلى الميزان حيث نظن بأنّ وزننا صار مضاعفاً.. فقد صرت الحاكم [ضحك]... صرت المسؤول، صرت المختار على القرية... كلاّ يا عزيزي لم يزد وزنك شيئاً، بل بقيت كما كنت تماماً.. الذي أضيف هو داخلك، أيها التعيس والسيّئ الحظ، لقد ازداد داخلك، وخسرت كل شيء بهذه الإضافة التي حصلت لك. لو لم تكن تخسر لما حصلت لك هذه الإضافة، ولو لم تخسر الواقعيّة التي لديك لما أضيف عليك شيء، لكن بما أنك تخلّيت عن الحق فقد ازدادت نفسك.. ازداد داخلك؛ وذلك لأنك تخليت عن إنسانيّتك وتخلّيت عن عبوديّتك وتخلّيت عن شرفك، لأنك تخلّيت عن كلّ شيء.. واه واه.. إلى متى نبقى جاهلين؟ بما أنك تخلّيت عن جميع هذه الأمور عظمت نفسك وصارت كمثل فيل عظيم، لكنه فيل من الهواء يمكن أن يتقلّص بمجرد أن تصيبه إبرة.. فعندما يذهب لتولّي المسؤوليّة يأتي أمر عزله مباشرة.. هل عزلت من منصبي؟ نعم لقد عُزلت دون علمك... هذا هو التخلية من الهواء [ضحك]... هل كنت مجبوراً بأن يجري عليك ما جرى؟ فلو لم تكن قبلت من أول الأمر لكنت حافظت على استقلاليّتك في كلتا الحالتين. هذه الأمور كلها بسبب الطريق المعوجّ الذي نسلكه، بينما العارف يقول عليك أن تسلك الطريق الصحيح.. لو جئت والتزمت بمبادئ وليٍّ من الأولياء لما كنت تحركت في كلتا الحالتين من مكانك، لكن بما أنّك لم تكن تحت تربية ولي، وبما أنك لم تتحرك على أساس مباني الولي وعلى أساس مباني الحق والولاية.. فمن الطبيعي أن يسيطر الشيطان على تلك النفس التي كانت في وضعيّة معيّنة في السابق، ويغيّر مسارها إلى أن تصير في وضعيّة مختلفة.
