
حقيقة أولياء الله وإشكالية حجية أفعالهم
ألقى سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني هذه المحاضرة في إطار شرحه لدعاء أبي حمزة الثمالي، وقد أشار فيها إلى أن الأئمة عليهم السلام يدعوننا إلى التوبة النصوح وترك اليأس، وأن التوبة الحقيقية إنما تكون بتحمّل تبعات الذنب، وقد ذكر فيها أن الجلوة الجمالية الإلهية تقلب حالة الإنسان كلياً، مبيناً أن الهدف من العبادة هو القرب من الله نفسه لا من جنته، وأن أولياء الله يعيشون دائماً في حالة التجلي التوحيدي، وكشف أن قراءة المناجاة والأدعية المأثورة عن الأئمة تزيد من التجليات التوحيدية، ثم تناول إشكالية حجية فعل ولي الله، وأكد على ضرورة التأكد في نسبة المطالب إلى الأشخاص، معتبراً أن الإجابة على هذه الإشكالية تقدم سابقاً، لكنه سيعالجها هنا بشكل علمي، وأشار إلى أن إمام الزمان هو المظهر الأتم للصفات الإلهية، وأن ولي الله مظهر للطف إمام الزمان وفي طوله، وختم باستسهال البعض اتهام أولياء الله بدون دليل
حقيقة أولياء الله وإشكالية حجية أفعالهم
4الجلوة الجمالية تقلب حالة الإنسان كلياً
والأمر المهمّ هنا هو أنه عندما نعبد الله واقعاً ونقف في ساحة الله حقيقةً.. وليس مرادي العبادة الظاهرية،.. فعلينا أن ننظر كيف يحب الله تعالى أن نتعامل معه؟ هل ينبغي أن نكون في حالة من الخوف والرهبة؟ وأن نتعامل معه على أنه غول مرعب ونحن كالفأرة التي تخشى أن ينقضّ عليها في أي لحظة.. فهل نصلّي له في هذه الحالة؟ كلاّ! فإذا كانت هذه هي الصلاة، فالله لا يريدها منّا مطلقاً.. نبدأ بالخوف والرجفة منه، عندما نقف أمام الله.. فهل الله يوجب الخوف؟ يعني هل أنّ المولى.. المولى العادي والظاهري والمسؤول في أيّ منصب (إذا كان عاقلاً!!) هل هو واقعاً يريد أن يطيعه الأشخاص الذين هم تحته انطلاقاً من الخوف والرهبة؟ أو بسبب العشق والمحبة، وبسبب العلاقة والوحدة والاتحاد والعينية.. أيهما أفضل؟ أيهما أفضل في نظر هذا المسؤول أو الرئيس؟ إذا كان يريد الإطاعة انطلاقاً من الخوف، فوضعه سيّئ جداً!! أمّا إن كان يريد من الأشخاص الذين تحته أن يعملوا بإخلاص، وأن يؤدّوا ما عليهم من مسؤولية في عملهم وأن ينهضوا بهذه المؤسّسة والإدارة، وأن يكون النشاط هو الحاكم عليهم.. فهذا الفضاء هو فضاء إنساني.. فضاء روحاني. أيهما أفضل؟ لا شك أن الثاني أفضل! أليس الله تعالى كذلك؟ يعني هل أن الله تعالى من القسم الأول؟ أم أنّه تعالى أعلى من القسم الثاني بمراتب.
الهدف من العبادة هو القرب من الله نفسه لا من جنته
فعندما يريد عبد أن يقف أمامه للصلاة، فإنّ الله تعال يقول له: لا أريد منك أن تصلّي لي خوفاً من جهنم، وهذا هو الكلام الذي أطلقه أمير المؤمنين، ويطلقه سائر الأئمة.. لا تصلّ لله خوفاً من جهنم، فإن فعلت فأنت تصلّي للفرار من جهنم لا لأجلي! لا أريد أن تصلّي لي لأجل ثواب الجنة ونعيمها، ولا أريد أن تصلّي للحصول على أهوائك في الجنة، بل أريد منك أن تصلّي لي، ولأجل أن يحصل لديك ارتباط بي فقط! فعندما يصل العاشق والمعشوق إلى بعضهما البعض، فماذا يكون مراده من هذا الارتباط؟ هل يكون مراده الوصول إلى الفاكهة والشراب الموجود عنده؟ وإذا أراد العاشق أن يذهب إلى منزل المعشوق لأجل الفاكهة، نقول له: يمكن أن تجد بائع الفاكهة في الشارع.. من يريد الذهاب إلى هناك لماذا يريد ذلك؟ لأجل التفاح والبرتقال الموجود في الدكان أيضاً؟ أو أنه يريد أن يذهب إليه ليجلس ويتحدث معه. فإذا أراد أن يعدّ له الشاي، يقول له: لا داعي للشاي ولا للضيافة، بل أريد أن أجلس معك والقرب منك، هذا هو المراد.. هو الجلوس والتحدّث والتوجّه والقرب والارتباط، هذا هو المطلوب هنا، لا الطعام ولا الماء ولا الشاي ولا الشراب ولا أي شيء آخر.. فهذه الأمور غير منظورة أبداً، أليس كذلك؟ يقول الأولياء والأئمة بأن العلاقة بين العبد والله يجب أن تكون علاقة العاشق والمعشوق، والله تعالى جعل لهذه العلاقة طريقاً ووسيلة، ما هي هذه الوسيلة؟ هي القرآن، الصلاة.. الحج.. الصدقات.. عيادة المريض.. برّ الوالدين، فبرّ الوالدين مفتاح العلاقة مع الله.. إنّ مفتاح العلاقة مع الله هو تحصيل رضا الأب والأم. هذه هي الطرق والوسائل التي جعلها الله، هذه الطرق هي التي توصلنا وتزيد من علاقتنا به، وعندما تحصل هذه العلاقة، فهل يمكن للإنسان أن يلتفت إلى شيء آخر بعد ذلك؟
