
حقيقة أولياء الله وإشكالية حجية أفعالهم
ألقى سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني هذه المحاضرة في إطار شرحه لدعاء أبي حمزة الثمالي، وقد أشار فيها إلى أن الأئمة عليهم السلام يدعوننا إلى التوبة النصوح وترك اليأس، وأن التوبة الحقيقية إنما تكون بتحمّل تبعات الذنب، وقد ذكر فيها أن الجلوة الجمالية الإلهية تقلب حالة الإنسان كلياً، مبيناً أن الهدف من العبادة هو القرب من الله نفسه لا من جنته، وأن أولياء الله يعيشون دائماً في حالة التجلي التوحيدي، وكشف أن قراءة المناجاة والأدعية المأثورة عن الأئمة تزيد من التجليات التوحيدية، ثم تناول إشكالية حجية فعل ولي الله، وأكد على ضرورة التأكد في نسبة المطالب إلى الأشخاص، معتبراً أن الإجابة على هذه الإشكالية تقدم سابقاً، لكنه سيعالجها هنا بشكل علمي، وأشار إلى أن إمام الزمان هو المظهر الأتم للصفات الإلهية، وأن ولي الله مظهر للطف إمام الزمان وفي طوله، وختم باستسهال البعض اتهام أولياء الله بدون دليل
حقيقة أولياء الله وإشكالية حجية أفعالهم
3فحتّى يزيد قال له الإمام بأن علاقته بالله لم تنقطع بعد، فصحيح أنّك قتلتَ إمام زمانك وقتلتَ أولاده وأصحابه, وسبيت نساءه.. كل ذلك في مكانه، ولكنّ باب التوبة لا زال مفتوحاً يدعوك إلى الله، ولو فرضنا أن يزيد أتى إلى الإمام السجاد وقال له واقعاً: لقد أخطأتُ وأنا نادم على فعلي، وأنا أعلم أنّ خطأي ليس بالخطأ العادي والصغير.. فقضية عاشوراء تعتبر فاجعة التاريخ، فاجعة تاريخ البشرية.. مع ذلك لو أتى وقال للإمام السجاد واقعاً: إنّي أريد أن أتوب حقيقة.. ماذا نحكم على هذه القضية الآن؟ هل يقول له الإمام السجاد: اغرب عن وجهي، فلا طريق لك إلى التوبة؟ أم أنّه يفتح له الباب.. إذا فرضنا أنّه أتى وأراد التوبة واقعاً، حتّى لو كانت عبر القَصاص منه، وقال بأنّي مستعد للقصاص والقتل، ألا تُقبل توبته؟!
أتى شخص إلى أمير المؤمنين وقال لقد ارتكبت فاحشةً عظيمةً و عملاً قبيحاً جدّاً، و أريد أن تطهّرني، فقال له الإمام: هناك ثلاثة طرق للقصاص منك، فقال له أريد أن تعاقبني بأشدّها وأصعبها عليّ.. (و من هنا يتبيّن أنّه كان قد تاب واقعاً، لقد كان مريداً للتوبة واقعاً، وأتى مسلّماً.. وعندما أعدّت الوسائل لمعاقبته وقتله، وكان وضعه بحيث أنّ كلّ من كان هناك عطف عليه وبكى لحاله.. حتّى أنّ أمير المؤمنين أخرجه من العذاب وعفا عنه، وقال: لقد تاب الله عليك..
وهذه من الموارد التي ينبغي أن نتحدث فيها، ونبحث كيف أن الإمام يمكنه أن يعمل خلافاً للحكم الشرعي، حيث عمل خلافاً للشرع هنا، وهذه من الأمور التي ينبغي أن نبحث فيها... لكن شيئاً فشيئاً نصل إليها، فاصبروا علينا.
وهنا نرى أن الإمام قام بإنقاذ هذا الشخص خلافاً للحكم الشرعي بضرورة المعاقبة.
التوبة الحقيقية تكون بتحمّل تبعات الذنب
الآن كلامنا في أنه باب الأمل مفتوح.. فالأئمة والأولياء يسوقوننا نحو الأمل، ويقولون لنا: دعوا اليأس جانباً، ودعوا القنوط جانباً، دعوا الخوف والقلق جانباً.. دعوا هذه الأمور جانباً.. وتحركوا بحالة من الأمل.. فإذا فرضنا أن يزيد أتى إلى الإمام السجاد وقال له صادقاً: لقد أخطأت! وأتوب من فعلي، ومهما تأمرني به فأنا سامع مطيع.. فماذا يجيبه الإمام السجاد حقيقة؟ هو إمام، والإمام هو الهادي والمرشد.. فلا يمكنه أن يسدّ الطريق إلى الله أمام الناس، بل يتركه مفتوحاً.. نعم، يفعل ذلك طبقاً لتشخيصه هو.. [في مثل هذه الحالة] هل يقول الإمام السجاد ليزيد: لا مجال أمامك أبداً؟ أمير المؤمنين لم يقل ذلك لعمر!! بل إنّه قال حتى لعمر: إنّ باب التوبة لا يزال مفتوحاً، ولكنّ الأخير لم يقبل. فالإمام هنا يبيّن الطريق، إذ يقول: افعل كذا وافعل كذا.. ولدينا نظائر هذه الأمور في التاريخ، حيث جرى مثل ذلك للإمام السجاد، وبعض الأشخاص الذين كانوا في بلاط بني أمية وكان قد ارتكب القتل، ومع ذلك أمره الإمام بأن يذهب ويعطي أهاليهم الدية، فذهب ولم يجد أحداً في المنزل، فقال ألقها في منزلهم. والحاصل أنه تاب وقبلت توبته.. وقد نقل لنا التاريخ الكثير من أمثال هذه القضية. ولذا فالإمام موسى بن جعفر يقول: لا ينبغي أن يقطع الإنسان الأمل، فإذا تغلّبت حالة اليأس عليه فهذا أعظم ذنب.
