
محورية الحق والولاية في حياة السالك
محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في ليلة الرابع عشر من شهر رمضان المبارك في مدينة قم، وتناول فيها سبب قلة حياء الإنسان من الله، ثمّ بيّن أن بعض الأشخاص يحتالون للوصول إلى مرادهم، وأكّد على ضرورة إبعاد أهل الدنيا والكثرات عن السالك، مشيراً إلى أن أولياء الله لا يكترثون بما يقال فيهم، ثمّ أكّد على ضرورة طرح الأسئلة ضمن حدود الاستفهام لا التشكيك، منبهاً أنه من الخطأ مقارنة الحق بالباطل والمساواة بينهما، وأن المدار هو اتباع الحق والانقياد له، ومؤكداً على ضرورة تحديد الوظيفة العملية على أساس الحق والإمام والمرتبط بالإمام، وأن اتباع كلام الناس يؤدي إلى المهالك، وخاتماً بضرورة أن يكون الإنسان حراً أمام الآخرين.
محورية الحق والولاية في حياة السالك
11و لكن إذا أتينا ووضعنا هذا الأمر جانباً، ونظرنا إلى المسألة من جهة أخرى ولحاظٍ آخر، وقلنا بأنّه يجب علينا أن نفعل هذا الأمر.. فقولنا بأنه يجب الإتيان بهذا الأمر: هل الإمام المعصوم أمضى ذلك أم أنّنا نظنّ بأنّه أمضاه؟ أليست مواجهة الظلم واجبة؟ فلماذا إذاً قال أمير المؤمنين لا تقتلوا عثمان؟ ألم يكن عثمان ظالماً؟ لماذا قال الإمام لا؟ الجواب أوّلاً: لا علاقة لنا بفعل الإمام عليه السلام ولا بأن نسأله لماذا قمت بذلك، بل هذا من فضول الكلام منّا، وهذا من جملة الأخطاء التي نقوم بها مع الإمام المعصوم عندما نطالبه بدليل على فعله، بل نفس كلام المعصوم هو الحجّة؛ سواءً بيّن ذلك بدليل أم لم يبيّن، فوظيفتنا إطاعة الإمام المعصوم لأنه معصوم فقط، ألا تقول بأنه إمام معصوم، وأنّ كلامه عين الحقّ وعين الواقع؟ فإن قال لك كلْ هذا! فعليك أن تمتثل دون أن تسأل، وتقول له: يا ابن رسول الله هل ما أمرتني بأكله طاهر أم نجس؟ وإن كان طاهراً فهل هو مفيد أم مضر؟ وهذا المفيد هل هو ضروريّ أم لا؟ لا داعي لذلك أبداً، فعندما يقول الإمام الرضا كلْ هذا! فعليك أن تأكله، دون أن تسأل عن أيّ شيء آخر.. فإمّا أن ننكر عصمة الإمام عليه السلام ونقول بأن الإمام كسائر الأشخاص يشتبه ويخطئ في تشخيص الأمور؛ بأن يأمر بما فيه ضرر الإنسان عوضاً عن أمره بما فيه مصلحته.. أو أن نكون معتقدين بعصمة الإمام، وعند ذلك لا يجوز لنا أن نسأل لماذا وكيف ومتى... كل ذلك لا معنى له.
عندما دخل هارون المكّي على الإمام الصادق عليه السلام وقال له الإمام ادخل إلى التنّور، هل سأله هارون لماذا تأمرني بذلك؟ كلا، بل قام ودخل في التنّور مباشرة.. هذا الذي يسمّى شيعيّاً، هذا الذي جعل محور فكره ورأيه وفعله يدور حول العصمة والولاية، هذا هو الشيعيّ الحقّ. أمّا إذا تنازلنا عن ذلك، ولم نقبل به، بل قمنا بجعل التكاليف للإمام... فلن نكون كذلك.
عندما كان المرحوم الوالد في طهران، وكنت في قم في ذلك الوقت، أتيت في إحدى المرات إلى طهران لأمرٍ ما، فأتى يوماً شخص إلى المنزل، وبما أنّي كنت أقدّم الشاي وسائر الأمور، بالإضافة إلى أنني كنت في الغرفة الملاصقة لمكان جلوسهما؛ بحيث كان الصوت يصل إلى مسامعي.. فقد اطّلعت على ما كان يجري في تلك الجلسة، ومن جملة الكلام الذي جرى فهمت أن هذا الشخص مع إقراره بأنّ المرحوم الوالد أعلم منه وأبصر منه في الأمور، ومع المحبّة التي كان يكنّها له.. إلاّ أنّه كان يريد أن ينتزع منه موافقة بخصوص قضية معيّنة (ولا داعي لبيان هذه القضيّة).. يعني أنّ هذا الشخص من جهةٍ يعلم بأنّ هنا شيئاً غير موجود في مكان آخر، وأنّ الرأي الموجود هنا رأي ثاقب.. ولكن من جهة أخرى فإنّ ميله وهواه في الجهة المقابلة...
