
حقيقة عمل الإنسان بين الظاهر والباطن
تحدّث سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة عن حقيقة مقام العبوديّة تجاه الله عزّ وجلّ والفرق بين أولياء الله وغيرهم في عبوديّتهم تجهاه عزّ وجلّ، فتعرّض إلى توقّعات الناس من الإمام المهدي عجّل الله فرجه، وبيّن كم أنّ هذه التوقّعات لا تضيف إلى كمال الإنسان شيئاً كما وضّح ما ينبغي على الإنسان أن يطلبه من الإمام عليه السلام لكي يزيد من كماله ورشده، بعدها تعرّض لحقيقة الواقعيّة المُلكيّة وحقيقة الواقعيّة الملكوتيّة في الإنسان وبيّن معنى كلّ واحدةٍ منها وبيّن تبعاً لذلك أنّ الفرق بين الإمام المعصوم وغيره وبين وليّ الله وغيره إنّما يكمن في الواقعيّة الملكوتيّة لا الواقعيّة المُلكيّة، ثمّ عرّج على خطورة توغّل السالك في الكثرات وأثره على كلا الواقعيّتين ومبيّنا خطورة ذلك في اضمحلال الواقعيّة الملكوتيّة عنده بعدما حصل كان قد حصّل بعض الكمالات، ثمّ تعرّض سماحته إلى كرم الله عزّ وجلّ وجوده اللامتناهي، وبيّن أنّ هذا عظم هذا الجود والكرم هو الذي جعل الإنسان يتجرأ على سؤال الله والطلب منه مع كونه عاصياً مذنباً داعياً الجميع إلى التمسّك بهذا الجود الكرم. .
حقيقة عمل الإنسان بين الظاهر والباطن
10و لكن عندما نلاحظ الجنبة الثانية فسنشاهد الواقعية الأخرى، و هي تتمثّل في تلك الحقيقة التي تقبع خلف الظاهر، وتتمثّل بمعرفة مفاهيم تلك الكلمات التي اكتسبها الإنسان، وإنّما يكمن الاختلاف بين الأفراد في هذه المعرفة، فبعضهم لا يفهم من كلمة «الحمد» إلاّ المعنى اللغوي للكلمة، ولا يفهم منها شيئاً آخر.. لا يدرك ولا يفهم أيّ جانب من جوانب الاتّصال والعينيّة والوحدة والاتّحاد بين الحامد والمحمود، ويخفى عليهم كيفيّة الارتباط بين الحامد وبين تلك الواقعيّة المحمودة.
أمّا البعض فيدركون هذه الكيفيّة، فتراهم عندما يقولون: ﴿الحمد لله ربّ العالمين﴾ فإنّ قلبهم ونفسهم يقتربان من عالم الحمد، فيغترف لنفسه نصيباً من ذلك الفضاء الرحمانيّ ومن الحمد المطلق، فكأنّه هو نفسه قد دخل في عالم الحمد أيضاً، فصار للحامد نصيبٌ من مقام المحموديّة...
مادح خورشيد مداح خد است *** كی دو چشمم سالم نا مرمد است (يقول: مادح الشمس إنّما يمدح نفسه *** فهو يقول إنّ عيني لم يصبها الرمد)
نعم حينما يقول: انظر إلى الشمس كم هي جميلة، وانظر لها كيف تتلألأ، وانظر إلى نورها العظيم، فهو في الواقع يمدح ويحمد نفسه، فيقول: أنا عيني سليمة.. وأنا عيني ليست كعين الخفاش [لا ترى في الضوء] .. أنا الذي لم أغلق عيني عن الجمال.. أنا الذي عينه خالية من كلّ عيب... أجل.. هو إنّما يمدح نفسه، وكذلك عندما يقف الإنسان في مقام الذكر، فيقول: ﴿الحمد لله ربّ العالمين﴾ فهو يُدخل نفسه في فضاء الحمد ذاك، ولكنّه لا يدخل إلاّ بنفس مقدار ما أدركه من الحمد؛ ولذا فنحن نصيبنا قليل .. لأنّنا نفهم بحدود المعلومات والقضايا والمسائل التي نعرفها بشكل سطحيّ فنجمعها ونرتّبها ونحاول أن نصل إلى معرفة معنى الحمد؛ فنقول : ما هو الحمد؟ وما هي مقدار سعته؟ فلدينا حمدٌ إطلاقيّ وحمدٌ مقيّد ومحدود... ولأنّنا نسبح في هذا الفضاء فقط، لذا فأيدينا لا تصل إلاّ إلى هذا الحدّ من الإدراك.
المائز الحقيقي بين الناس يكمن في الواقعيّة الملكوتيّة لا الظاهريّة
أمّا عندما يتوجّه الإمام نحو الله عزّ وجلّ ويقول: ﴿الحمد لله ربّ العالمين﴾ فالإمام لا يعرف حدّاً للحمد المختصّ بربّ العالمين، بل يحسّ بأنّه قد غرق في محيط ذلك الحمد اللامتناهي لله عزّ وجلّ، فيرى أنّه هو قد صار واجداً لمقام المحمود، فلم يعد هناك حامد، بل المحمود هو الموجود فقط؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ ۱ عجيب.. عجيب !! فهو يقول له: قم في الليل وتعبّد لله وتوقّع وليكن لديك أمل (عسى هنا ليست بمعنى: قد، ويحتمل حصول كذا..، بل توقّع أن.. ولك البشارة بأن .. ونعدك بأن ..).
- سورة الإسراء، الآية: ۷٩.
