
مقام الخوف والرجاء عند أولياء الله تعالى
وهو المجلس الخامس من مجالس شرح دعاء أبي حمزة الثمالي الذي ألقي في شهر رمضان سنة 1415 هـ، وقد تناول فيه آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني مقام الخوف والرجاء عند أولياء الله تعالى وسّر الحزن والخوف والبكاء الصادر عنهم مع وصولهم إلى مقام (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، كما تعّرض لبحث دوران التكليف مدار تحقّق الموضوع فيه، ولذا صحّ تقسيم الصوم إلى مراتب ثلاث: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. وأفاد سماحته أنّ الخوف والحزن عند الولي ليس إلاّ بسبب الانقطاع عن الله وعن النظر إليه، كيف وقد خرج عن تأثير العلل والمعلولات منه فيما ورد في علوّ منزلة أمير المؤمنين عليه السلام وسمّو مقامه بعد وصوله إلى مقام البقاء بعد الفناء مع أنّه كان يقول« فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟!».
مقام الخوف والرجاء عند أولياء الله تعالى
الوصف:
وهو المجلس الخامس من مجالس شرح دعاء أبي حمزة الثمالي الذي ألقي في شهر رمضان سنة 1415 هـ، وقد تناول فيه آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني مقام الخوف والرجاء عند أولياء الله تعالى وسّر الحزن والخوف والبكاء الصادر عنهم مع وصولهم إلى مقام (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، كما تعّرض لبحث دوران التكليف مدار تحقّق الموضوع فيه، ولذا صحّ تقسيم الصوم إلى مراتب ثلاث: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. وأفاد سماحته أنّ الخوف والحزن عند الولي ليس إلاّ بسبب الانقطاع عن الله وعن النظر إليه، كيف وقد خرج عن تأثير العلل والمعلولات منه فيما ورد في علوّ منزلة أمير المؤمنين عليه السلام وسمّو مقامه بعد وصوله إلى مقام البقاء بعد الفناء مع أنّه كان يقول« فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟!».
مقام الخوف والرجاء عند أولياء الله تعالى
7فلا منافاة بين هذا الإخبار وبين الالتفات، ففي الوقت الذي يعلم الإنسان أنّ أمراً ما سيتحقّق يبقى مراقباً ومنتبهاً طيلة الطريق. وبعبارة أُخرى: هناك تلازم بين الوصول سالماً وبين المراقبة والانتباه، وهذه المراقبة هي التي توصلنا إلى ذلك المكان سالمين.
دوران التكّليف مدار الموضوع
وبالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام فمن حيث المسائل الدنيويّة ليس لديه أيّ التفات إليها كي تصل النوبة إلى احتمال سيطرتها عليه أو عدمه. فهو كان يقول: «إنّي طلّقت الدنيا ثلاثاً».۱ فماذا يبقى بعد ذلك؟ وكنّا قد تعرّضنا فيما سبق إلى مسألة كون التكاليف دائرة مدار تحقّق موضوعاتها، ومن مواضع تطبيقه أنّ الإنسان كلّما بلغ مرحلة ارتفعت عنه تكاليف المرحلة السابقة، فالتكليف بترك شرب الخمر أصلاً لا يتعلّق بسلمان؛ فقد انتفى الموضوع من أصله بالنسبة إلى سلمان، ولم تعد تكاليف حرمة الزنا والسرقة وأمثالها لتتعلّق بذمّته. لمن هذه التكاليف؟! إنّها لطبقة أدنى منه، وأما تكليفه فهو أرقى من ذلك، وهكذا من هو أعلى منه، فمراتب الأفراد من حيث موضوعيّة التكليف مختلفة، والتكاليف مختلفة. وما هو تكليفنا نحن؟ هناك تكليف العموم وهناك تكليف الخصوص، وهناك تكليف خصوص الخصوص، فصوم العموم مثلاً عبارة عن ترك المفطّرات المعروفة. وصوم الخصوص هو إضافة إلى ترك المفطّرات ترك الغيبة والنظر الحرام، والتي هي ليست من المفطّرات الظاهريّة. وصوم خصوص الخصوص هو الامتناع عن التفكير الحرام وعن الخواطر السيّئة وعن سوء الظنّ بالمؤمن، وعن خطور مسائل التفاخر والأنانيّة. فهذه منهيّ عنها في صوم خصوص الخصوص؛ حيث يُنهى فيه عن كلّ ما سوى الله، فلا ينبغي أن يرد في قلوبنا غير الله، ولا ينبغي أن نتوجّه إلى غير الله. نصوم ولكن عندما ندخل إلى المنزل وننظر إلى الأزواج فلا ينبغي أن يأسر قلوبنا ذلك، ولو كان النظر حلالاً؛ فغير الله لا ينبغي أن يرد إلى هذا القلب، وعلى كلّ حال هذا بحث آخر. فسلمان إذن لا يخطر في مخيّلته أن يشرب الخمر، ولا معنى لخطوره لديه، ولذلك لا معنى لتكليفه به، بل التكليف به سيكون لغواً، وحتّى لا شأنيّة لأن يتعلّق به التكليف. ما معنى الشأنيّة؟ الشأنيّة هي كون المكلّف ذا قابليّة للتكليف بالشيء مع كونه جاهلاً، فالتكليف منجّز غاية الأمر أنّه غير فعليّ، وإنمّا يصير فعليّاً عندما يلتفت المكلّف إليه. والشأنية التي نتحدّث عنها هنا هي بالمعنى الذي نصطلحه نحن لها لا بالمعنى الذي يقول به الأعلام من تعلّق التكليف بالجميع على السواء؛ فهذا المعنى لا أساس له. أمّا الشأنيّة التي نقول بها فهي تعني تعلّق التكليف بموضوعه الكليّ على فرض التحقّق: سواء كان المكلّف ملتفتاً أم غير ملتفت. وبناء على ذلك، عندما يخرج المكلّف عن دائرة موضوع التكليف فلا معنى لشأنيّة التكليف بالنسبة إليه، بل تتعلّق به تكاليف أخرى. ومثله ما لو تغيّر جنس الرجل على سبيل الفرض إلى امرأة، ولو على نحو الإعجاز. ألم يحدث ذلك! لقد قام بذلك الإمام الحسن عليه السلام: كان جالساً في المدينة فجاء رجل شاميّ وشرع بالحديث بكلام فارغ، وكان الإمام الحسن عليه السلام يتكلّم، فقال الشامي مستهزئاً: من أنت؟! فقال: أنا أعمل وفق ما يراه الله صلاحاً، ولو شئت لنقلت الشام إلى المدينة والمدينة إلى الشام، ولبدّلت الذكر أنثى والأنثى ذكراً، وحينها شرع أحد الحاضرين بالضحك وقال: أحقاً ما تقول؟! إن كان حقّاً فافعل! ثم قال له الإمام: أما تخجلين؟ أين حجابك؟! لقد صار هذا الرجل امرأة! نعم صار امرأة! فخرجت من المجلس، فقال الإمام: لقد جعلت هذا امرأة وجعلت زوجته رجلاً وهذا من مناقبه. المهمّ أنّه لو فعل الإمام الحسن ذلك فبدّل الرجل امرأة فإنّ الأحكام ستتبدّل؛ حيث لم يعد رجلاً لتتعلّق به أحكام الرجال، وتلك المرأة لم تعد امرأة لتتعلّق بها الأحكام التي كانت حتى هذه اللحظة متعلّقة بذمّتها، وكذلك ليس لهما شأنيّة لتلك الأحكام؛ فقد خرجا من موضوع التكليف. فالميّت مثلاً صار موضوعاً جديداً وتعلّقت به أحكام جديدة. المهمّ في كلامنا هو إذا حدث تغيّر في الموضوع؛ كما في سلمان حيث لم يعد تتأتّى منه المعاصي الظاهريّة، وخرج من تحت موضوعها، فلا معنى لأن يتعلّق به التكليف بتركها، بل تتعلّق به أحكام أُخرى، فقد تغيّرت خصوصيّة الأحكام، هذه مراتب لتلك الحالة التي هم عليها.
- ـ علي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص ۱۷۰.
