
أهميّة فهم الدقائق السلوكية
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شهر رمضان سنة 1415 هجرية، وقد أشار فيها إلى أنه ينبغي على العبد السائر إلى الله بقدم العلم والعمل أن لا يرى الاستقلال في نفسه لنيل النجاة والاستقامة والصلاح؛ لأن الله تعالى شأنه مصدر الخير ومنبع الكمال، فما عداه مراة لهذا الجمال المطلق ومظهر لذلك الخير المحض. كما تعرض إلى مباحث هامة في السلوك إلى الله جل جلاله من قبيل: دور الولي في وصول العبد إلى الحق والحقائق الكلية، وبيان تغير الذاتيات وتبدل الماهيات، والسر في لزوم استشعار الفقر والفاقة إلى الله، مع الإشارة إلى ضرورة إخلاص العمل لوجهه الذي لا بقاء لما عداه واجتناب الوقوع في شوب الشرك ولوث الرياء.
أهميّة فهم الدقائق السلوكية
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
قوله عليه السلام: «مِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ وَلاَ تُسْتَطَاعُ إِلاَّ بِكَ»
لقد أوضحنا في المجلس السابق أنّ النجاة من عند الله؛ وذلك لأنّ النجاة تعني الخلاص من الهلكة، فهي إمّا بمعنى الفلاح أو بمعنى أعمّ من الفلاح كما في قوله: ﴿رَبِّ نَجِّني مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ﴾ يعني خلصّني من الهلكة. فالنجاة تعني: الوصول من البحر إلى الساحل، والخروج من الضيق إلى السعة، والانتقال من التعب إلى الراحة، ومن الشدّة إلى اليسر، هذا هو معنى النجاة، وهذه مصاديق النجاة.
وعندما يكون ابتعاد الإنسان هو المنشأ لهذه الشرور ويكون الجنوح عن مقام القرب والانغمار في الدنيا ومظاهرها مصدر الشرور والهلكة، سيكون الطرف المقابل بالضرورة هو الخير والسعادة التي يعبّر الإمام عنها بقوله: «مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يَا رَبِ وَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِك»، فإنّ هذا الخير هو بالطبع من ناحية الله عزّ وجلّ، والعبارة الأولى تفسّر العبارة الثانية، والعبارة الثانية يمكن أن نقول بأنّها بدل أو عطف بيان للعبارة الأولى.
من أيّ مكان تتيسّر لي النجاة؟ وكيف لي أن أخرج من عالم الطبع الذي هو عالم المادة؟ فهل لي القدرة لأن أتحرّك خطوة إلى الأمام ولو بمقدار رأس الإبرة؟
كلا! فليس لي قدرة حتّى لأخطو خطوة واحدة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوب﴾. فإن لم يكن لدينا القدرة ولو قليلاً لأن نخطو خطوة بمقدار جناح بعوضة، فكيف لنا أن نحصّل النجاة من أنفسنا؟! وهؤلاء الذين ابتلوا في هذه المخمصة والبلاء وقعوا فيها بسبب أمور أخرى، نعم.
طرف من موانع السير إلى الله
ولابن سينا كلام في هذا الصدد، مع أنه لم يكن كسائر الناس، نعم كان رجلاً ذا قدرات خارقة، قال في إحدى عباراته: "إذا كان هناك شخص يستطيع أن يطّلع على حقائق وأسرار عالم الوجود فهو أنا"، وعندما قال هذه العبارة سقط على الأرض، وقيل كان في آخر عمره يبكي حوالي ۱۰ ساعات يومياً، وكان يقول: "إلهي يدي تقصر عن كلّ شيء وأنا في حال ارتحال". وفي أواخر عمره تغيّرت أحواله، فأدرك أنّه لا يملك من الأمر شيئاً.
