
منشأ خيرات العالم
وهي جلسة من سلسلة محاضرات شرح دعاء أبي حمزة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني، وقدتناول فيها شرح فقرة من الدعاء: من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندكوأشار إلى تأكيذ القرآن الكريم على أنّ الله تعالى هو مبدأ الخير والبركة والنعمة والوجود والكمال، فلا كمال ولا خير إلا منه، وما في الوجود من الفرش إلى العرش مظهر ومجلى له تباركت آلاؤه، فحريٌّ بالمرء أن ينال مقام العبودية والذلة اتجاه مقام الربوبية والعزة، كما ذكر تأثير كلام الأنبياء والأولياء عليهم السلام في إيجاد حالات شرح الصدر والرحمة والرأفة في نفوس الناس؛ لمكان اتصالهم بالمبدأ الحقّ وشهودهم الحقائق الكلية.
منشأ خيرات العالم
8هذا المقام هو مقام العبوديّة، هذا هو المقام الذي يجعل الإمام السجّاد يرى نفسه صفراً عندما يقول: «من أين لي الخير؟». والله لقد كان الإمام السجّاد يرى نفسه صفراً عند تلاوته لهذا الدعاء.. يرى أنّه ليس بإمكانه أن يظهر وجوده بمقدار ذرّة في عالم الوجود، ماذا يصنع؟ ليس الأمر بيده، لا يمكنه أن يصنع شيئاً، ولو أمكنه لما صدرت منه تلك الأدعية، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك؟! لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك... لقد كنّا يوماً في مشهد فقال أحد الإخوان: أنا لا أدري كيف صدرت هذه الأدعيّة عن الإمام السجّاد؟! وهل يعقل أن تصدر عنه على نحو الحقيقة؟! إنّه تفوّه بها من أجلنا فقط. قلت له: لو كانت فقط من أجلنا فما ذلك البكاء؟! فالإمام السجّاد هو ممثّل يؤدّي دوراً في تمثيليّة؟! الإمام يذهب إلى غرفة مستقلّة ويغلق الباب ولا يراه أحد ويشرع بالبكاء، فلماذا يبكي؟
عندما نجد السّيد الحدّاد يقول: عندما أنظر إليك يا رب فأنا من الملوك أرى التاج على رأسي، وعندما أنظر إلى نفسي أكون من الأذلّاء والتراب على رأسي. كان السيّد الحدّاد يقول: عندما أنظر إلى نفسي فالمسألة هي كذلك؛ كان يقول: عندما أنظر إلى عظمته وعزّته أجد نفسي غارقاً في عالم الربوبيّة، ولكن عندما أنظر إلى نفسي يقول: أجدها أدنى من شمر ويزيد، كيف يمكن أن يصدر هذا الكلام عن أمثاله؟! وقد سمعته منه بنفسي، ما معنى النظر إلى النفس؟ إنّه النظر إلى الدنيا، النظر إلى ما يصنع منه الناس دكّاناً لأنفسهم، وما يتنازعون عليه ويضرب بعضهم بعضاً من أجله. هو يقول: أنظر إلى ذلك فأجد المصائب! فما نعطيه نحن القيمة هم يرونه لا قيمة له، بل إنّ ثقافة الأولياء تختلف كلّيّاً عن ثقافتنا ورؤيتنا؛ فهؤلاء يصلون إلى مرحلة العبوديّة المحضة، وإذا وصلوا إلى العبوديّة المحضة صار الخير عندهم بالذات، ذاتهم تتغيّر. النحاس لونه أصفر، لكن صفاره كاذب وعارض يشبه صفار الذهب وليس منه. متى يتبدّل هذا الصفار إلى شيء من ذاتيّات النحاس؟ عندما نضع عليه من الإكسير فيستحيل ذهباً، حينها يصير الصفار ذاتيّاً له.. حينها لا يعود شبيهاً بالذهب وذهباً كاذباً، بل يكون ذهباً حقيقّياً. إذن لا بدّ من الوصول إلى العبوديّة الصرفة، عندما يصل إليها الإنسان تتّضح وتختلف جميع الأمور لديه.
