
منشأ خيرات العالم
وهي جلسة من سلسلة محاضرات شرح دعاء أبي حمزة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني، وقدتناول فيها شرح فقرة من الدعاء: من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندكوأشار إلى تأكيذ القرآن الكريم على أنّ الله تعالى هو مبدأ الخير والبركة والنعمة والوجود والكمال، فلا كمال ولا خير إلا منه، وما في الوجود من الفرش إلى العرش مظهر ومجلى له تباركت آلاؤه، فحريٌّ بالمرء أن ينال مقام العبودية والذلة اتجاه مقام الربوبية والعزة، كما ذكر تأثير كلام الأنبياء والأولياء عليهم السلام في إيجاد حالات شرح الصدر والرحمة والرأفة في نفوس الناس؛ لمكان اتصالهم بالمبدأ الحقّ وشهودهم الحقائق الكلية.
منشأ خيرات العالم
2بسم الله الرحمن الرحيم
قوله (عليه السلام):
«من أين لي الخير يا ربّ ولا يوجد إلاّ من عندك» ۱
تقدّم أنّ الخير الذي يصدر عن الإنسان إنّما يصدر عنه بالعرض، أي بلحاظ أنّه مظهر، ولا بدّ من رجوع هذا الخير إلى ذات يصدر عنها بالذات تستقلّ بالفيض. ولذا لا يمكننا نحن أن ننسب الخيرات الصادرة عنّا إلى أنفسنا، وإلاّ عدّ خيانة وتصرّفاً في ملك المولى؛ لوضوح أنّه لا يمكن للعبد أن ينسب ثروة مولاه إلى نفسه، فالثروة ملك للمولى، وإذا أراد أن يوقّع توقيعاً بالنيابة عنه فلا بدّ أن يخبر الطرف الآخر أنّه يقوم بذلك كنائب، لا بدّ أن نخبر أنّ هذه العنايات التي نتمتّع بها هي من الله، فإن أخبرنا عنها زادها الله، وإلاّ جعلها لنا حجاباً.
الفارق بين مدرسة الأنبياء والأولياء ومدرسة غيرهم
كنّا يوماً بخدمة المرحوم العلاّمة وكان هناك أحد الأشخاص الطيّبين الواعين، وكان لديه جملة من الاستسفارات مع المرحوم العلاّمة، وبعد أن أجابه العّلامة عن أسئلته أصبح في غاية السرور والبهجة، وبعد مدّة التفت إلى المرحوم العّلامة وقال له: سبحان الله! هل يمكن أن نجد إنساناً بهذا العلم؟! وكان هناك أحد الحاضرين ولم يكن حاله على ما يرام، وكانت أطواره آنذاك غريبة، إلاّ أنّ العلامة كان جالساً بهدوء وسكينة بلا تصنّع ولا هوى، لا يرى في نفسه قدرة ولا علماً. فانظر كيف يفكّر المرحوم العّلامة؟ وانظر إلى ذاك! وكلامه هذا درسٌ لنا.. بحرٌ من العظمة والعلم والكمال الوقار لا يرى في نفسه شيئاً، وعندما كنّا ننظر إليه كنّا نجد أنّه في الواقع لم يكن يشعر بأنّه مالكٌ لشيء.
وفي تلك المدّة كنّا يوماً جالسين في محضر العلاّمة إذ دخل أحد الأشخاص ـ وهو الآن من الأساتذة والمدرّسين ـ فلمّا دخل انخطف لوننا نحن! وسأل العلاّمة سؤالاً فأجابه، ثمّ قمتُ بطرح إشكال ٍعلى هذا السائل، وبعد أن اتّضح المطلب قال: لقد كان في هذه المطالب تأمّل، ولم يكن سؤالي عنها بغير وجه. فانظروا كم هي سعة قابليّته؟ ثمّ انظروا في المقابل إلى العلاّمة! إن هي إلّا بعض المطالب والأسئلة والأجوبة، ولكنّه يقول: هذه المطالب محلّ تأمّل وكذا وكذا...! أما العلاّمة فقد وصل إلى حقيقة «من أين لي الخير؟».كلّ هذه الخيرات يراها من الله، أمّا ذاك العالم الآخر فهو يرى الخير من نفسه، و هو صاحب علم، إلاّ أنّه إذا يرى هذا العلم من نفسه، فإنّه يتأثّر لأدنى مؤثّر لا يرضاه، أمّا لو كان لا يراه من نفسه لما كان تأثّر.
- مقطع من دعاء أبي حمزة.
