
التخلّي عن النفس قبل سؤال العلماء
شرح فقرة : وأما اللواتي في العلم : فاسأل العلماء ما جهلت ، وإياك أن تسألهم تعنتا و تجربة وإياك أن تعمل برأيك شيئا ، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا ، و اهرب من الفتيا هربك من الأسد ، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا
التخلّي عن النفس قبل سؤال العلماء
8فتجد ذلك الرجل يقول للمرحوم العلاّمة:
"ما الذي فعلتُه يا سيّدي، حتّى تقول في حقّي مثل هذا الكلام؟!"
فيردّ عليه العلاّمة: "لا شغل لي معك!" ثمّ يصل الحديث بينهما إلى أن يقول له المرحوم العلاّمة: "إن تخطّيت الحدود، فإنّ مصيرك سيكون الإلقاء على أمّ رأسك في جهنّم!"
أي: لو حاولت الانحراف عن هذا المسار، والعمل وفقًا لرغباتك الشخصيّة...
ثمّ قال ذلك الرجل: "أنا لا أريد أن أدخل جهنّم! أنا لا أريد أن أكون من أهل جهنّم!"
فقال له: "أنت لا تريد أن تكون من أهل جهنّم، جيّد جدًّا، فعليك أن تقوم بهذا العمل!"
حيث وضع يده بالضبط على تلك المسألة التي تُمثّل نقطة ضعفه، فوافق ظاهرًا على ذلك، لكن، في نفس الوقت الذي قال فيه: نعم، خطر في بالي أنّه لن يلتزم بالعمل!! وحينما غادر المنزل، رجع المرحوم العلاّمة من غرفة الاستقبال، فقلت له: "هل تعتقد يا سيّدي أنّه سيعمل بما أمرته به؟!"
فقال لي: "لا يا عزيزي.. لا يا عزيزي!!"
وهكذا كان.. هل التفتّم؟ ما هو السبب في ذلك؟ لأنّه في الظاهر جاء إلى المرحوم العلاّمة، لكنّه في الباطن كان يجلب نفسه معه أيضًا، فيُخفيها في الوراء داخل ذاك الصندوق، ويحتفظ بها هناك، وإلاّ، لو كان قد عمل في تلك الليلة بما كان قاله المرحوم العلاّمة، لصلُح حاله من تلك الليلة، ولما كان هناك حاجة لأن يعمل بذلك الدستور عندما يحلّ اليوم التالي؛ بل لصلح حالُه في نفس تلك الليلة، بل لعلّه لم يكن يصل الأمر إلى احتياجه لأن يقوم بذلك العمل من الأساس.. لماذا؟ لأنّه حينما يعلم وليّ الله تعالى أنّ ذلك الإنسان قد أعرض عن نفسه، فإنّه لن يرى هناك حاجة في أمره بأداء هذا الفعل أو ذاك؛ وذلك لأنّ هدفه من اللجوء إلى كلّ تلك المسائل هو عودة النفس وأوبتها، وإلاّ، فإنّه لا يلجأ إليها أبدًا.
ولهذا، ترى أنّ هذا الإنسان بعد أن ينقضي يوم أو يومان، وتطرأ بعض المسائل، يتراجع عن كلّ شيء، ويُنكر كافّة المسائل، ويبدأ بالاعتراض: "من قال هذا الكلام؟! ومن قال بأنّ كلام هذا السيّد صحيح؟! لا.. فالحقّ معي أنا! وهل الإسلام يأمر بهكذا مسائل؟!" حيث كتب رسالة بهذا الخصوص، وقال فيها أيضًا: "متى أُمر في الإسلام بهكذا أمور؟! إنّ ما تفضّلتم به مخالف للنصّ!" يا للعجب!! فمع كلّ تلك السنوات التي قضاها المرحوم الوالد في الحوزة بقمّ والنجف وغير ذلك، تأتي أنت وتقول: "هل يأمر الإسلام بهكذا مسائل؟"!! وهل أجبرك أحد على المجيء إلى هنا؟! لماذا لا تذهب عند أولئك السادة الذين يعملون بالأوامر الإسلاميّة؟!! فعلمهم أفضل، وعملهم بأوامر الإسلام أحسن! لماذا طرقت هذا الباب؟! ولماذا دققت هذا الجرس؟! هل التفتّم؟! إنّ أولئك السادة الذين تدّعي أنّهم يعملون بأوامر الإسلام هم أنفسهم الذين صبّوا على رأسك كلّ تلك المصائب، بحيث اضطررت إلى المجيء إلى هنا! إنّك جئت إلى مكان ينظرون فيه إلى باطنك ونفسك وقعر سويداء قلبك، وبعد ذلك يقولون لك: "قم بهذا العمل"؛ فتأتي أنت وتريد أن تعلّمهم بالأوامر الموافقة للشريعة الإسلاميّة! وتقول: "هذا حكم موافق للإسلام! هذا تكليف إسلامي! هذا قانون قرآنيّ! هذا ينسجم معه! هذا لا ينسجم معه!"، جيّد جدًّا، فالذين يناسبونك موجودون، فاذهب إلى هنا وإلى هناك، واعثر على من سيحلّ لك مشاكلك! هل التفتّم؟
