
التخلّي عن النفس قبل سؤال العلماء
شرح فقرة : وأما اللواتي في العلم : فاسأل العلماء ما جهلت ، وإياك أن تسألهم تعنتا و تجربة وإياك أن تعمل برأيك شيئا ، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا ، و اهرب من الفتيا هربك من الأسد ، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا
التخلّي عن النفس قبل سؤال العلماء
10[يقول: إنّ إعطاء الخنجر لعبدٍ مخمور أفضل من أن يحصل ذلك الوضيع على العلم
*** فالعلم و المال و المنصب و الجاه والأمر النهي هي أسباب للفتنة إن وقعت في يد مثيري الفتن
ولمّا صار القلم بيد أهل المكر، فلا جرم سيكون المنصور۱ على المشنقة]
فإذا وقع هذا العلم والفنّ في يد نفس خبيثة وملوّثة ونفسٍ تسعى إلى تعزيز مكانتها وشخصيّتها، وليس تلك النفس التي تجرّدت عن النفسانيّات، وتنزّهت عن الأهواء، وصارت طاهرة، فما الذي سيحصل والحال هذه؟ وما هي المسائل التي ستنبعث من هكذا نفس؟ وما هي الثمرة التي ستتحصّل منها؟ وما الذي سيصدر من ذاك اللسان وذلك القلم؟ إن تلك الرغبات والأهداف المشؤومة والسعي نحو إبراز الأنا ستظهر على شكل الانتساب إلى العالم الربوبي، وستبرز كلّها من خلال اللجوء إلى هذه الوسائل والوسائط؛ فيظنّ الجميع أنّ هذه الأمور تخضع للمبادئ والمعايير والقواعد، لماذا؟ لأنّ النفس لم تصلُح عند حصولها على هذه الوسائل، بل بقيت على حالتها الأولى، ولم تتبدّل؛ نظير ماء عفِنٍ صببت فيه بعض القطرات من الماء القراح، فإنّ هذا الماء القراح لا يُغيّر ذاك الماء العفن، بل العفن هو الذي يُصيّر القراح مثله؛ وهكذا الأمر لو وضعت تفّاحة في جوّ متعفّن، فمع أنّ التفّاحة قد تكون طريّة ولها رائحة زكيّة، إلاّ أنّها لن تتمكّن من تغيير ذلك الجوّ المتعفّن، بل هو الذي سيُصيّرها متعفّنةً! هل التفتّم؟!فهذا ما تفعله هذه العلوم مع النفس الفاسدة.
من يُسلّم له هو صاحب البصيرة والباطن
فهل أدركتم الآن لماذا كان العظماء يوصون بشدّة أن يُسلّم الإنسان نفسه لمن لا نفس له؟ فما معنى ذلك؟ معناه أن لا تقصر نظرك على الظاهر! وإن لم تكن لديك عين تُبصر الباطن، فعليك بالاحتياط! فإما أن تمتلك عينًا تنفذ إلى الباطن، فتُدرك بواسطتها ما هو موجود خلف هذه الملامح المنمّقة وهذا المظهر الخدّاع، [وإما أن لا نمتلكها] غير أنّنا لا نمتلكها؛ ولهذا، ترانا نرافق أحدهم لمدّة شهر وشهرين وسنة؛ فلا يُظهر حقيقة نفسه ولا يُبرز ذاته طيلة هذه المدّة، إلى أن تمضي سنة أو سنتان، فنتعجّب..
- يبدو أنّ المراد منه الحسين بن منصور الحلاّج. م
