
ضرورة الارتقاء بالمعرفة
هل هناك فرق بين المعرفة وبين العلوم الظاهرية؟ و هل دراسة الكتب و تحصيل العلوم الظاهرية بحدّ ذاته كافٍ للارتقاء بالإنسان؟ تعرّض سماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهراني قدس سره لهذا الموضوع الحيوي في إطار شرحه للفقرة الأخيرة من حديث عنوان البصري. ويجدر بالذكر أنّ أهمّ عناوين المحاضرة كانت كالتالي: اهتمام العظماء بحديث عنوان البصري. لا حدّ للفيوضات الإلهيّة. ضرورة السعي المستمرّ للارتقاء بالمعرفة وخطورة التوقّف . من علامات الانحراف: المنع من الفهم. في مدرسة الإمام الصادق يجاب على جميع الأسئلة والإشكالات. العلوم الظاهرية لا تنفع بدون المعرفة. قصّة طالب العلم الشاب مع الصدر الأصفهاني، نموذجا على قلة المعرفة.
ضرورة الارتقاء بالمعرفة
8إنّ هذه المسألة بالغة الأهمّية، ولو وفّقني الله تعالى ـ إن شاء سبحانه ـ لعرض مزيد من التوضيح بشأن هذه المسائل، بحسب ما يقتضيه الحال ويسمح به المقام، فسنُدرك حينها أنّ مدرسة التشيّع ومدرسة الإمام الصادق هي مدرسة مغايرة تمامًا لما يُطرح هنا وهناك، وسيتبيّن لنا ما هو الأفق الذي كان [الأئمّة عليهم السلام] يتحرّكون فيه، وما هو المنهج الذي كانوا يتّبعونه، حيث نرى الإمام عليه السلام يُسلّم على اليهوديّ قائلًا: «يا أخا اليهود»؛ وهذا عجيب حقًّا!
فهل يختصّ هذا الأمر بذلك العصر فقط، أم أنّه يشمل حتّى هذا العصر؟ فحتّى الآن، ما هو الذنب الذي ارتكبه اليهود والنصارى وأهل الكتاب وبقيّة الناس، حتّى المنكرين لوجود الله تعالى من المستضعفين الذين سلكوا في أفكارهم واعتقاداتهم مسلكًا مغايرًا؟ هل التفتّم؟ فلماذا ينبغي أن يبقى هؤلاء مستبعدين؟ ولماذا لا يسعى الإنسان للتواصل معهم، وإطلاعهم على نهجه ومبادئه؛ عسى أن يكون ذلك سببًا في تغيّرهم وتحوّلهم؛ فهؤلاء يمتلكون بدورهم فطرةً وعقلاً وإدراكًا، ويُشخّصون السيّء والحسن، ولا يزال وجدانهم وفطرتهم موجودين، وما تزال تلك الوديعة الإلهيّة المكنونة في وجودهم حيّةً، ولم تضمحلّ بعدُ.
لقد حدث معي ـ أنا نفسي وفي مواطن متعدّدة ـ أن التقيت مع بعض هؤلاء من أهل الكتاب غير المسلمين، فتغيّر ذلك المسيحي أو اليهودي بسبب معاملتي له. لماذا؟ لأنّني لم أتصرّف معهم كما يتصرّف بعض السطحيّين الذين يجعلون بينهم وبين هؤلاء حجابًا، ويُعاملونهم بطريقةٍ وأسلوبٍ خاصّين؛ فيصير هذا التصرّف والتعامل بنفسه سببًا في إبعادهم وابتعادهم عن الحقّ والحقيقة.
فأنا لم أعاملهم بنفس المعاملة، بل اتّخذت مسلكًا آخر؛ لأنّني عاشرت العظماء والأولياء في السفر والحضر، وكنت أطّلع على حركاتهم وسكناتهم، وأستمع إلى كلماتهم، وأشاهد أسلوب تعاملهم مع مختلف الناس؛ ذلك التعامل الذي كان ينغرس في وجود أولئك الناس الذين تعاملوا معهم فيبقى على الدوام، فيتحرّكون ويعيشون حياتهم في أجواء وظلّ ذلك.
إنّ هذه المسألة من المسائل التي استفدناها من منهج الأولياء والأئمّة وسيرتهم، وليست ناشئة من الخيالات والآراء والأذواق الخاصّة، بل إنّ مبادئنا تقتضي هكذا مسائل.
