
تجرد النفس من التعلقات النفسانية
في هذه المحاضرة يبيّن سماحة السيد أن التعلّقات النفسانيّة تظهر عند تهيؤ الأرضية المناسبة.. ومن هذه التعلّقات تعلّق النفس بالمال، و التعلّق بالعلم والاحساس بالفخر والتكبّر، والتعلّق بالمنصب والجاه ..وبيّن أن حقيقة السلوك هو في التخلّص من هذه التعلّقات والتحرك نحو التجرّد كما كان أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يتغيّر حاله ولا يتبدّل كلامه لا قبل الحكومة ولا بعدها.. وكما هو حال العلماء بالله الأمناء على حلال الله وحرامه الذين تركوا كل التعلّقات وتحقّقوا بحقيقة العبودية لله تعالى.. وأن كل من كان أميناً طاهراً مستقيماً فسيحشر مع علي عليه السلام وإن كان ظاهره في الدنيا خلاف ذلك..
تجرد النفس من التعلقات النفسانية
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد للـه ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
ورسول ربّ العالمين
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
"وأمّا اللَوَاتي في الحِلْمِ، فَمَنْ قالَ لكَ: إنْ قُلتَ واحدةً سَمِعْتَ عَشْرًا، فَقُل: إنْ قُلتَ عَشْرًا لم تَسْمَع واحدةً؛ وَمَن شَتَمَك فَقُل لَهُ: إنْ كُنتَ صادقًا فِيما تَقُولُ فَأَسْأَلُ اللهَ أن يَغفِرَ لي، وإنْ كُنتَ كاذبًا فيما تَقُول فاللهَ أَسْأَلُ أن يَغْفِرَ لَكَ؛ وَمَن وَعَدَكَ بِالخَنَا فَعِدْهُ بِالنَّصِيحَةِ والرَّعَاءِ".
ظهور التعلّقات النفسانيّة عند تهيؤ الأرضية المناسبة:
لقد بيّنا للرفقاء بعض المسائل حول هذه الفقرات، وقد وصل بنا الكلام إلى أنّ جميع هذه الأمور التي تفضّل بها الإمام عليه السلام أنّه من قال لك كلامًا فلا تردّ عليه، ومن قال لك: أنا خير منك. فقل له: هنيئًا لك. ـ طبعًا ما أعرضه مصاديق لكلمات الامام ـ وإن قال لك شخص: أنا متقدّم عليك. فقل له: لا معنى للتقدم والتأخر هنا، فمن المتقدّم؟ ومن المتأخر؟ وهكذا لو أن شخصًا قال لك: أنا متفوق عليك وكذا وكذا.. لقد بيّنا بأنّ جميع هذه الأمور ترجع إلى النفس، هذه النفس التي يقول عنها مولانا:
نفست اژدرهاست او کی مرده اس *** از غم و بی آلتی افسرده است) ۱ ( [أي: إن نفسك ثعبان لم يمت أبدًا، غاية الأمر أنّه حزين مقيّد لنقص الأدوات والآلات]
فإنها لم تجد الأرضية المناسبة لكي تكشف عن حالها، وتبيّن عن حقيقتها.
يُقال بأنّ عبد الملك بن مروان كان ملازمًا للمسجد، وكان يُسمى بـ "حليف البيت" و "حليف القرآن" و "حليف المسجد" فقد كان ملازمًا للمسجد يقرأ فيه القرآن. جاؤوا إليه وقالوا له: لقد توفي الخليفة، وعليك أن تأتي لكي تجلس في مكانه. فكانت أول كلمة قالها، وقد كان صادقًا فيها: هذا فراقٌ بيني وبينك. وكان الأمر واقعًا كذلك. فلم تكن الأرضيّة مهيّئة له؛ لذا ذهب إلى المسجد وانشغل بقراءة القرآن؛ ولكن عندما وصلت الحكومة إليه فإنّه لم يفتح القرآن حتى آخر أيام حكومته، فهذا ما يسمى بـ"عدم تهيؤ الأرضية المناسبة لأجل إظهار النفس" وكلّنا مبتلَون بذلك!
- () مثنوي معنوي، لمولانا جلال الدين الرومي، الدفتر الثالث.
