
تجرد النفس من التعلقات النفسانية
في هذه المحاضرة يبيّن سماحة السيد أن التعلّقات النفسانيّة تظهر عند تهيؤ الأرضية المناسبة.. ومن هذه التعلّقات تعلّق النفس بالمال، و التعلّق بالعلم والاحساس بالفخر والتكبّر، والتعلّق بالمنصب والجاه ..وبيّن أن حقيقة السلوك هو في التخلّص من هذه التعلّقات والتحرك نحو التجرّد كما كان أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يتغيّر حاله ولا يتبدّل كلامه لا قبل الحكومة ولا بعدها.. وكما هو حال العلماء بالله الأمناء على حلال الله وحرامه الذين تركوا كل التعلّقات وتحقّقوا بحقيقة العبودية لله تعالى.. وأن كل من كان أميناً طاهراً مستقيماً فسيحشر مع علي عليه السلام وإن كان ظاهره في الدنيا خلاف ذلك..
تجرد النفس من التعلقات النفسانية
14فقالا: أجل، لقد رأيناها هنا.. اجلسا مكانكما. فاتّصلا بمكان معيّن حيث كان يُحتفظ هناك بالمحفظة، فجاء رجل، فذكرت له مواصفات المحفظة، فأعطاني إيّاها، فرأيت بأنّها لم تنقص، ولو دولارًا واحدًا؛ في حين أنّه كان بوسعهما أن يحتفظا بها لأنفسهما بكلّ سهولة، من دون أن يتمكّن أيّ أحد من متابعتهما، أو محاسبتهما. فشكرناهما كثيرًا، ثمّ إنّي من نفسي سحبت مائة دولار من جيبي، لكي أعطيها لهما، لكنّني مهما حاولت ذلك لم أفلح، حيث قالا لي: يا سيّدي، هذا دأبنا كلّ يوم. فما كان منّي إلاّ أن وضعتها بنفسي في جيب أحدهما، وقلت لهما: اتّفقا فيما بينكما، وتقاسماها فيما بينكما. هل التفتّم؟! فمع أنّهما كانا مسيحيّين، وحالهما بيّن [أنّهما غير ملتزمين]، لكن أيّ عنوان يُمكننا أن نُطلقه على عملهما هذا؟ هل بوسعنا أن نقول عنه إنّه معصية لأنّ ظاهرهما كان بذلك النحو، وأوضاعهما كانت بذلك الشكل؟! وهل يُمكننا القول إنّه لا فائدة من ذلك العمل لأنّه خداع كلّه؟! أين هو الخداع هنا؟! لقد كان بمقدورهما الاحتفاظ بالمحفظة، ولو كانت هذه الحادثة وقعت هنا، لما تركوا لنا عشرة دولارات! فقد كان بوسعهما الاحتفاظ بها بكلّ يسر وسهولة، لكنّهما جاءا وعملا بمقتضى فطرتهما وضميرهما وتكليفهما.. هل التفتّم؟!
هذا، مع أنّه حينما قام بذلك العمل لم يكن متوجّهًا إلى الله تعالى، بل لعلّه [لم يكن له اعتقاد كبير به تعالى]، لكنّه ماذا فعل؟ حينما رجع إلى نفسه، قال: سيرجع صاحب هذه المحفظة إلى هنا، ويبحث عنها، فعليّ أن أحتفظ بها، لكي أسلّمها له. فهنا، من الذي ألقى على عاتقه هذه المسؤوليّة؟ إنّها فطرته وضميره! فهكذا شخص سيأتي يوم القيامة ويقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام، لكن ليس بهذه الحال [التي هو عليها هنا في الدنيا]، بل بحال أفضل يتناسب مع تلك الظروف! لماذا؟ لأنّ قلبه طاهر ونقيّ. وأمّا ذاك الذي يدّعي موالاة أمير المؤمنين والتشيّع له، لكنّه يقوم بأمور أنتم أعلم بها منّي، فأين يتوجّب عليه الذهاب؟! أنّى لنا العلم بذلك! سنذهب إن شاء الله تعالى[إلى ذلك العالم] ونطّلع على حقيقة ما تحدّث عنه العظماء.
