
تجرد النفس من التعلقات النفسانية
في هذه المحاضرة يبيّن سماحة السيد أن التعلّقات النفسانيّة تظهر عند تهيؤ الأرضية المناسبة.. ومن هذه التعلّقات تعلّق النفس بالمال، و التعلّق بالعلم والاحساس بالفخر والتكبّر، والتعلّق بالمنصب والجاه ..وبيّن أن حقيقة السلوك هو في التخلّص من هذه التعلّقات والتحرك نحو التجرّد كما كان أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يتغيّر حاله ولا يتبدّل كلامه لا قبل الحكومة ولا بعدها.. وكما هو حال العلماء بالله الأمناء على حلال الله وحرامه الذين تركوا كل التعلّقات وتحقّقوا بحقيقة العبودية لله تعالى.. وأن كل من كان أميناً طاهراً مستقيماً فسيحشر مع علي عليه السلام وإن كان ظاهره في الدنيا خلاف ذلك..
تجرد النفس من التعلقات النفسانية
12هذه المطالب والقضايا [مهمة] إن أردنا أن نفهم كلام الإمام الصادق عليه السلام..
طبعاً كنت أريد أن أذكر أمورًا أخرى للإخوة، لكن تمّ الكلام عن بعضها فقط، ونترك إكمالها لجلسات أخرى .. الإمام عليه السلام يرشدنا إلى هذه النُكتة؛ وهي أنه ينبغي على جميع الأشخاص في كلّ فنّ وفي كلّ أمر؛ على سبيل المثال الأطباء في عملهم، فإذا اشتبه طبيب في مكان ما لا ينبغي أن يتمسك بكلامه ولا يتراجع عنه..
قال لي أحد أصدقائنا ـ الدكتور سجادي حفظه الله ـ يومًا: كنت أتحدّث إلى تلاميذي في المستشفى، فاشتبه أحد الأشخاص في أمر ـ وكان من تلاميذه ـ لكنّه أصرّ على أنّ كلامه هو الصحيح، والحال أنّ كلامه كان خطأ؛ لكنّه كان يقول بأني محقّ! إلى أن قام سائر أصدقائه بمعاتبته: لماذا تصرّ بهذا الشكل على كلامك أمام الدكتور؟! قال: لا بل المسألة هي كذا وكذا. هذا ابتلاء! وعلى الإنسان أن يتخلّص من ذلك ويقول لقد أخطأت! وعلى الإنسان أن يمرّن نفسه على ذلك.
وكذا سائر الموارد؛ فالمهندس ينبغي أن يكون كذلك في مجاله؛ يعني عليه أن يجعل هدفه ومقصده هي جهة العبوديّة ويجعلها نصب عينيه، وإذا أخطأ في أمر فعليه أن يتقبّل ذلك، لا أن يصرّ عليه ويبني على أساس هذا الخطأ، وإلا فأيّ مفاسدٍ سيسبّبها جرّاء عمله هذا.
وكذا العالم الديني، وكذا سائر الأشخاص.. عليهم أن يراعوا هذه المسألة في جميع القضايا، ومن المهم جدًّا أن يكون الإنسان في مقام كشف الحقيقة دائمًا، لا في مقام إثبات نفسه! إذ عندما يتّخذ الإنسان في مسألة معيّنة موقفًا خاصًا، لا يعود ينظر إلى ما قاله هذا الشخص المقابل؛ بل يبحث فقط عن نقاط الضعف في كلامه، ثم يأتي ويبرز هذه النقاط، ويعمل على إسقاط هذا الشخص بأيّ شكل من الأشكال ولو بالاتّهام أو تحريف كلامه، ولو بقلب المعاني والمفاهيم! فهذا يقول شيئًا وهو ينقل كلامه بشكل آخر.
منذ مدّة ذكرت بأنّ شخصًا قال لي: كان أحد الخطباء يشكل على أحد كتبي من على المنبر، وقال: "لقد ورد في الكتاب هذه الكلمة وهي خطأ"؛ والحال أنّ هذه الكلمة وردت في قائمة الكلمات الخطأ التي تمّ تصحيحها في آخر الكتاب، حيث ذكرنا أنّ هذه الكلمة خطأ والصحيح هو كذا؛ ولكن مع أنّه قرأ التصحيح، بقي يقول بأنّه يوجد خطأ! ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّنا نريد أن نشكل عليك بأيّ شكل من الأشكال، فحتى لو لم يكن هناك خطأ، نجعل لك خطأ! ما هذا المنبر؟! وما هذا التبليغ؟! وما هذه الوضعيّة؟! صاحب الكتاب بنفسه يقول لك: ورد التصحيح في آخر الكتاب، لكنّك مع ذلك تقول: ورد في الكتاب هذه الكلمة!
