
أهمّية الصدق في السير والسلوك
ما هو دور النفس والنفسانيات في الأعمال التي يقوم بها الإنسان؟ كيف تتجلّى عظمة الإمام الحسين عليه السلام وكرمه؟ كيف تنسجم عظمة الإمام وكرمه مع إشراك الآخرين في مائدته الإلهيّة الخاصّة؟ ما هي علاقة الصدق بالسير والسلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهرني قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها ليلة السبت 12 جمادى الثانية 1438 هـ لتتمّة شرح حديث عنوان البصري. ويجدر بالذكر أن آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى قد تطرّق في هذه المحاضرة التي عقدها لتتمّة شرح عبارة (وأمّا اللواتي في الحلم...) من حديث عنوان البصري للمسائل التالية: ـ دوران أعمال الإنسان حول محور الذات والنفس ـ قصّة العالم الخائن ـ عظمة الإمام الحسين عليه السلام وكرمه ـ كرم الإمام عليه السلام يقتضي إشراك كلّ من يرغب في مائدته الإلهيّة الخاصّة ـ الملاك في السير والسلوك هو الصدق ـ أهمّية الترقّب لمجيء شهر رجب في استجلاب الفيوضات الإلهيّة
أهمّية الصدق في السير والسلوك
4قصّة العالم الخائن
قبل فترة طويلة، كنت في ليلة من الليالي في مسجد النبيّ في موسم الحجّ، وكنت جالسًا على السطح بين صلاتي المغرب والعشاء، وكان هناك شخص يخطب في الناس المجتمعين حوله، وكان ينقل عن كتاب سنن أبي داود أو الترمذي بأنّه لا ينبغي أن نستلم الحجر الأسود، بل يكفي أن نسلّم فقط، ونَقَل بأنّ الخليفة الثاني وقف أمامه وقال: أشهد بأنّك لا تسمع ولا تبصر ـ وهناك رواية وقد شاهدتها بنفسي ـ وما يقال عنك ليس بشيء، بل أنت حجر كسائر الأحجار، ثمّ قال عمر مخاطبًا الحجر الأسود: ولولا أنّي رأيت رسول الله يقبّلك لما قبّلتك وما احترمتك!
فقال ذاك الخطيب المغرض هذا الكلام فقط، وعندما انتهى، ذهبت إليه وجلست عنده وقلت له: أيّها الشيخ، من أيّ كتاب نقلت هذه الرواية؟ فقال: من هذا الكتاب، فقلت: هل هذا هو حدّ هذه الرواية، أم أنّ لها تتمّة؟ فما إن قلت له ذلك حتى امتقع لونه واحمرّ وجهه، فقلت له: هل تعرف تتمّتها؟ فلم يجبني! وكان هناك عدّة أشخاص جالسين، فلكي يعرفوا الحقيقة قلت: هذه هي تتمّة الرواية! فقد جاء في سنن الترمذي أو سنن أبي داود (في أحدهما) مباشرةً بعد أن أتمّ (عمر بن الخطّاب) كلامه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان حاضرًا هناك، فأتى ووقف مقابل الحجر الأسود، وقال: أشهد أنّك تسمع وترى، وتحفظ ما نشهد به أمامك وتسجّله لتوافينا به يوم القيامة في عرصة الحساب الإلهي، وتشهد لنا بذلك.۱
فلم يتكلّم بشيء وطأطأ رأسه، فتعجّب الجميع من ذلك، وكيف أنّ هذا الرجل يبلّغ دين الله، ولكن بالكذب والاحتيال، يا عزيزي!
لقد ذكرت هذا الأمر في كل ّموضع.
وبالمناسبة، ففي ليلة أمس، كنت قد تشرّفت بالذهاب إلى الحرم، وجلست عند رأس الضريح، فأتى إليّ أحد الطلبة الذين لديهم سمت حسن، وعفّة ونجابة، وكان يعرفني بينما أنا لا أعرفه، فسألني عن المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، فأجبته، ثمّ قال: انصحني! فخطرت في بالي هذه المسألة، حيث قلت له: أوصيك بأنّك إن كنت في خيمة الإمام الحسين فكن صادقًا، وإن كنت في خيمة عمر بن سعد، فكن صادقًا أيضًا! كن في كلتا الحالتين صادقًا! فتأمّل كثيرًا في ذلك وشكرني ومضى.
- نقل الحاكم النيسابوري في المستدرك ج ۱، ص ٤٥۷: "عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حججنا مع عمر بن الخطاب، فلمّا دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إنّي اعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبّلك ما قبّلتك ثمّ قبّله. فقال له علي بن أبي طالب: "بلى يا أمير المؤمنين إنّه يضرّ وينفع، قال: ثمّ قال: بكتاب الله تبارك وتعالى"! قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ "قال: قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾، خلق الله آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنّه الربّ وأنّهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم، وكتب ذلك في رقّ وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك قال: ففتح فاه فألقمه ذلك الرقّ، وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإنّي أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد، فهو يا أمير المؤمنين يضرّ وينفع" فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن".
