
أهمّية الصدق في السير والسلوك
ما هو دور النفس والنفسانيات في الأعمال التي يقوم بها الإنسان؟ كيف تتجلّى عظمة الإمام الحسين عليه السلام وكرمه؟ كيف تنسجم عظمة الإمام وكرمه مع إشراك الآخرين في مائدته الإلهيّة الخاصّة؟ ما هي علاقة الصدق بالسير والسلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهرني قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها ليلة السبت 12 جمادى الثانية 1438 هـ لتتمّة شرح حديث عنوان البصري. ويجدر بالذكر أن آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى قد تطرّق في هذه المحاضرة التي عقدها لتتمّة شرح عبارة (وأمّا اللواتي في الحلم...) من حديث عنوان البصري للمسائل التالية: ـ دوران أعمال الإنسان حول محور الذات والنفس ـ قصّة العالم الخائن ـ عظمة الإمام الحسين عليه السلام وكرمه ـ كرم الإمام عليه السلام يقتضي إشراك كلّ من يرغب في مائدته الإلهيّة الخاصّة ـ الملاك في السير والسلوك هو الصدق ـ أهمّية الترقّب لمجيء شهر رجب في استجلاب الفيوضات الإلهيّة
أهمّية الصدق في السير والسلوك
3رحم الله أحد أصدقاء المرحوم العلاّمة الذين كانوا في السابق، وقد توفي مؤخّرًا في إحدى المدن، أتى إليه وكان ينقل له حادثة جرت معه، حيث كان الوقت في آخر فصل الشتاء، وقبل نهايته بمدّة قليلة، قال له: «ادع لنا، فإنّ وضعنا كذا وكذا»، ومن جملة كلامه قال: أخذ أحد التجار منّي قماشًا شتويًّا ومختصًّا بتلك السنة، بحيث إنّه إذا لم يُبع في هذه السنة، فلن يشتريه أحد في السنة القادمة، حيث تكون موضته قد بطلت، ولن يحصّل تلك القيمة التي له الآن، ولن يشتريه أحد؛ فأخذ منّا الأقمشة، ولمّا بقيت ثلاثة أسابيع من حلول فصل الربيع، أتى إلينا، وأرجع لنا ما لم يكن باعه من تلك الأقمشة، وقال: لم أبع هذه الأقمشة، وهي لك!
يا عزيزي، لقد أخذتها كلّها، فما معنى هذا التصرّف؟!
وكان يقول بأنّه أخذ من لفّة قماش مترين، ومن لفّة أخرى أربعة أمتار، ومن ثالثة ثلاثة أمتار، وقال: لقد تحيّرت في الأمر، ولم أعلم ما الذي عليّ فعله في مثل هذه الحالة!
هذا، مع أنّ ذاك الرجل كان ذا سيماء جليلة، وله لحية، ويحظى بوجاهة بين الناس والتجّار؛ بحيث إنّني ذهبت في ليلة إلى مسجد ذاك السوق ـ لا أعرف اسمه ولا شكّ أنّ الإخوة يعرفونه ـ للصلاة فيه، فرأيت أنّ إمام المسجد لم يأت تلك الليلة، فاتّفق الناس على تقديم هذا الرجل لإمامة الجماعة، فتقدّم وصلّى بهم، فقلت: أنعِم وأكرِم بإمام جماعةٍ بهذا الوضع وهذه الحالة! فقد كان جميع هدفه وهمّته في أن يظهر نفسه ويبرزها أمام الناس بشكل معيّن، حتّى يستطيع أن يفعل ما يحلو له.
وهذه المسألة مشاهدة جدًّا بين الناس والمتحدّثين والخطباء والعلماء، وينبغي علينا جميعًا أن ننتبه إليها، ونأخذها بشكل جادّ؛ لأنّ هذه المسألة ـ كما يقول المرحوم العلّامة ـ من المسائل التي يأتي الشيطان ويتدخّل فيها أكثر ممّا يتدخّل في سائر الحرف والفنون والصناعات؛ فالكلام الذي نتحدّث به من هذا القبيل إذا لم نخن فيه، وأمّا إذا كان فيه خيانة، فقد انتهى الأمر! فالرواية التي ننقلها نحرّف فيها، وهذا الأمر موجود بيننا إلى ما شاء الله، بحيث تكون الرواية بمعنى، فنفسّرها بمعنى آخر، وتكون الآية القرآنيّة بمعنى، فنفسّرها بمعنى آخر؛ وهكذا الأمر بالنسبة للقصص والحكايات، فننقل نصفها ونترك نصفها الآخر، وننقلها بتراء، أو نزيد فيها.. فهذه جميعها تشير إلى أنّ هناك مشكلة بالنفس وأنّ هناك عقبة لم نستطع تجاوزها! وإلاّ، فما هو السبب الذي يدعوك لكي تنقل نصف الرواية وتترك النصف الآخر؟!! لأنّ النصف الآخر ليس بنفعك، فتقرأ النصف الأول، أو تقرأ النصف الثاني فقط، أو تحذف بعض الكلمات منها.
