
السير والسلوك وحبّ الذات
لماذا يرتعب الإنسان من الموت؟ ما هو السبب في عدم رغبة الإنسان في الرحيل عن هذا العالم؟ لماذا لا يوجد اختلاف بين الأنبياء والأولياء؟ كيف يُمكن للسالك أن يتقدّم في السير والسلوك؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاج السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها في ليلة التاسع والعشرين من ربيع الثاني سنة 1438 هـ لتتمّة شرح حديث عنوان البصري. تحدّث سماحته عن المسائل التالية: ـ عدم وصول الإنسان للكمال يُصيبه بالرعب من الموت ـ سبب عدم رغبة الإنسان في الرحيل عن هذا العالم راجع إلى جهله وحبّه لذاته ـ قيمة العمل في خلوصه ـ العلّة من وراء عدم وجود اختلاف بين الأنبياء والأولياء عدم دعوتهم لأنفسهم ـ تقدّم السالك في السير والسلوك رهين بعدم اهتمامه بكلام الناس
السير والسلوك وحبّ الذات
4سبب عدم رغبة الإنسان في الرحيل عن هذا العالم راجع إلى جهله وحبّه لذاته
رحم الله الحاجّ هادي الأبهري الخانصنمي، ذلك الرجل الصافي، طيّب القلب، والذي كان من أرباب القلوب والمعرفة، وكان قد عقدَ عقْدَ الأخوّة مع المرحوم الوالد رضوان الله عليه، وكان رحمه الله لا يعرف القراءة والكتابة أصلًا، حتى أنّه كان يشخّص النقود والعملة من لونها، فهو لم يكن يستطيع أن يقرأ ما كُتب عليها، لكنّ قلبه كان صافيًا وبصيرته مفتوحة، فكان يستطيع أن يشخّص بكلّ سهولة ووضوح الأفراد المنافقين من الأفراد الخالصين والطاهرين، وكان أحيانًا يصرّح بذلك مباشرة ومن دون تأخير، ومهما كان ينصحه المرحوم العلاّمة بمراعاة حال الآخرين، فإنّه لم يكن يفعل، فقد كان طبعه بهذا النحو.. كان صافيًا وصريحًا، وكان يحبّ السيّد الوالد حبًّا جمًّا.
وعلى كلّ حال، لا داعي للإطالة في هذا الموضوع، المهمّ في الأمر أنّه ابتلي رحمه الله بسرطان في رئته، وكان الوالد رحمه الله قد أخذ على عاتقه مسألة علاجه، فأحضره إلى منزلنا، حيث قضى آخر أشهره هناك، وكان طبيبه هو الدكتور مهدي آذر رحمة الله عليه، وقد كان من الأطبّاء المشهورين جدًّا في إيران، وأنا نفسي كنت أراجعه من أجل مرض المعدة الذي كان عندي، وكان هذا الطبيب إنسانًا صريحًا، وكانت عنده صفات لطيفة وجميلة، فلم يكن يتلاعب بالمرضى؛ فإذا لم يتمكّن من تشخيص المرض، كان يقول له بكلّ صراحة: لم أتمكّن من تشخيص المرض! فلم يكن يحاول أن يفرغ جيبه من كلّ ما فيه من الأموال، وما أجمل أن يكون الإنسان بهذا الشكل!
في يومٍ من الأيّام، جاء هذا الدكتور وسأل الحاجّ هادي [الأبهري]: يا حاجي! ما هي علاقتك وقرابتك بهذا السيّد الطهراني (العلامة الطهراني)؟ ماذا ينتظر منك؟ ماذا يتوقّع منك؟ هل يريد منك أن يرث مثلًا بستانًا أو مالًا؟ من الواضح أنّه لم يكن يفهم أو يدرك طبيعة العلاقة القائمة بينهما، وأنا كنت صغيرًا ولكنّني أذكر الأمر جيّدًا، فكان الحاجّ هادي ينظر إليه ويقول له: إنّ سبب اهتمامه بي هو أمرٌ لا تستطيع أن تفهمه أنت.
