
منهج الأولياء في مواجهة كلام الآخرين
في هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى في ليلة السبت الأوّل من ربيع الثاني لعام 1438 هـ ق، تحدّث سماحته في ضمن شرحه لفقرة (فمن قال لك إن قلت واحدة سمعت عشرًا...) الواردة في حديث عنوان البصري إلى النقاط التالية: ـ أهمّية الحلم في السلوك ـ ما كلّ ما يُعلم يُقال ـ ضرورة عدم التأثّر بكلام الآخرين الناشئ من الأوهام ـ السالك لا يرضى لنفسه التنزّل عن العوالم العالية ـ نظرة المربّي والوليّ للأشخاص الذين يقفون في مواجهته
منهج الأولياء في مواجهة كلام الآخرين
4[فلو كان الأمر كذلك] لماذا كنّا نرى العظماء (الذين كنّا نتردّد عليهم) في حالة سكوت دائم؟! لماذا كان يصدر ذلك منهم؟! فكنّا نراهم صامتين، والحال أنّه كانت تجول في أذهانهم ألف مسألة وقضيّة دون أن يتحدّثون بأيّة واحدة منها. وكثيرًا ما كان يحصل أن نكتشف أمرًا، ثمّ نجد بأنّه حصل قبل عدّة سنوات دون أن نسمع من الوالد شيئًا عنه، وكنا نتعجّب من ذلك! فهل نحن غرباء حتى يخفيها عنّا؟! طبعًا، الأمور مرهونة بأوقاتها،(۱) فلا ينبغي أن يُقال كلّ شيء، والسبب الذي كان يحجزه عن التصريح بتلك الأمور آنذاك هو اشتمالها على بعض المفاسد، ولأنّها تحتوي على مطالب لا ينبغي لأحد ـ حتى أنا ابنه ـ أن يعلم بها، ثمّ تجدنا نسمع بها بعد مضيّ سنوات، ونتعجّب بأنّه كيف لم نسمع بها من قبل! وتكون قد انتفت هذه المسألة أساسًا، بحيث لا يكون هناك أيّ فارق بين العلم والجهل بها؛ أي أنّ الاستعداد اللازم للعلم بها قد تحقّق الآن، لا في ذلك الوقت، وهذا هو المهمّ! ولذا، بعد أن يتحقّق لدينا ذلك الاستعداد، ونسمع بتلك الحادثة الآن، لا يحصل أيّ شيء، لكن، لو كنت قد سمعت بهذا الأمر منذ عدّة سنوات، فقد تواجه مشكلةً، ولا تتمكّن من هضم المسألة.
أجل، فإنّ الكثير من الأمور والمسائل التي نسمعها هي من هذا القبيل! فإذا سمع الإنسان كلامًا، فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون صحيحًا، أو كذبًا! فإن كان كذبًا، فلا داعي لأن ينزعج الإنسان منه؛ فماذا عليك أن تفعل في هذه الحالة؟ لماذا نحن في حالة ـ وهذه مشكلة ينبغي علينا أن نحلّها ـ بحيث إذا سمعنا كلامًا، لا نضعه في كفّة احتمال الكذب، بل نضعه دائمًا في كفّة الصحّة؟ فما هو المنشأ لهذه المسألة وإلى أين ترجع؟ وما هو الأمر الذي تكشفه للإنسان؟ فلو أنّنا سمعنا كلامًا من هذا القبيل يتعلّق بأحد الأشخاص القريبين منّا، فهل كنّا سنضعه في كفّة الكلام الصادق؟ أم أنّنا نضعه سريعًا في كفّة الكلام الكاذب! والحال أنّ الكلام واحد، والمضمون واحد، والمفهوم منه أمر واحد! فتجدنا نسمع كلامًا، فنضعه في كفّة الصدق، ونقوم بترتيب الآثار عليه، ثمّ نخبر به هذا وذاك، فتحصل بسببه فتنة وأمور، لكن، لو أنّ نفس هذا الكلام كان له ارتباط بنا، فإنّك تجدنا نقول: «كلاّ، هذا غير صحيح، ولا ينبغي التفوّه بهذا الكلام أبدًا!» فنغلق الملفّ، ونضعه جانبًا.. لماذا؟ هل هذا الأمر ناشئ من نفس المسألة الموجودة في الخارج، أم أنّه يرجع إلى أمور أخرى؟ فبما أنّ المسألة في كلتا الحالتين واحدة، فإنّها ليست مرتبطة بالخارج؛ أي أنّ المسألة واحدة، غاية الأمر أنّها جرت في ظرفين مختلفين، وقيلت في موردين متفاوتين؛ فترانا نحملها هناك على الصحّة، ونرتّب عليها آثارها الخاصّة، بينما نقول هنا بأنّها غير صحيحة، ونتحرّز عن القيام بها!
- () بحار الأنوار، دار الكتب الإسلاميّة، ج ۷۷، ص ۱٦٥، ح ٢.
