
سواسيةٌ كأسنان المشط
كان العلامة الطهراني رضوان الله عليه يقول دائماً: كلنا سواسية كأسنان المشط، وقد قام نجله سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني حفظه بتوضيح هذه العبارة المهمة، مبيناً ارتباطها بكلام الإمام الصادق عليه السلام في حديث عنوان البصري، و مستفيداً منها دروساً قيمة... وجدير بالذكر أن هذه المحاضرة ألقيت 14 من ربيع الأول، لعام 1437 هـ ق، كما أن أهم مواضيعها كانت كالتالي: الالتزام بمضمون هذه الفقرات يؤدّي إلى قطع أغلب الطريق. لزوم التدقيق في الأخبار السلبية المنقولة، و منع الشائعات. الفائدة الأساسية من هذه التعليمات ترجع لنفس السالك الذي يطبقها. العلامة الطهراني: كلنا سواسية كأسنان المشط. معيار التقدم والتأخر في هذه المدرسة هو مقدار الفقر و الحاجة. عالم الملائكة هو عالم الصفاء و السكينة بخلاف الشياطيين. على السالك ألا ينشغل بغير نفسه؛ بايزيد البسطامي نموذجاً. معيارٌ دقيق لتشخيص صحة الطريق وخطئه.
سواسيةٌ كأسنان المشط
10إنَّ هذه التصرفات تترك أثرها على نفس الإنسان وعلى طبيعة حركته في طيّ طريق السلوك؛ فأنت وبمجرّد إشغال ذهنك بهذا الأمر وبأنّه: ما الذي يقوله هذا لذاك الآن؟ تكون قد جلبت الضرّر على نفسك، فهذا الأمر بمثابة السّم لك؛ فما الذي يعنيك ما يقوله هذا لذاك؟ وما هي علاقتك أنت بما يجري بينهما من عقد صفقة أو ما شابه ذلك؛ حتّى تذهب وتقول لأحدهم: إيّاك وأن تفعل ذلك! فلماذا تقوم بهذا العمل؟! يا عزيزي، إنّه يعلم ما الذي يفعله، فهل جاء يستشيرك بشأن ذلك الموضوع؟! وهل أنت وليّ أمره أو وكيله في هذا الأمر؟! وهل تخاف أن تتعرّض للمسائلة من قبل الملائكة إن أحجمت عن القيام بمثل هذا العمل؟!
نعم إن جاءك أحد ليستشيرك بشأن قضيّة ما أو أمرِ زواجٍ، ويسألك: هل من المصلحة أن يتمّ الأمر أم لا؟ فعندها يحقّ لك أن تشير عليه بنعم أو لا، مع توضيح الأدلّة والمبرّرات؛ أمّا إن لم يأتِك أحد ليسألك، فلماذا تذهب أنت بنفسك لتقول له: إيّاك أن تُقدم على خطبة تلك الفتاة، أو أن تقول لوالد الفتاة: إيّاك أن توافق على زواج ابنتك من ذلك الشاب! فما هي علاقتك أنت بهذا الموضوع لكي تتدّخل فيه؟! فأنت وبمجرّد قيامك بهذا العمل، تكون قد أفسدت نفسك وأوجدت الاضطراب في قلبك؛ وأنت وبمجرّد تفكيرك بالقيام بالتفحّص والتحقيق بشأن أمر قد يحصل مستقبلاً ـ في الوقت الذي لا يعنيك هذا الأمر في شيء ـ فبمجرّد تفكيرك به، فستكون قد فتحت على نفسك باب الاضطراب، حيث سيعمل عمل الدواء أو السّم الذي يدخل جوفك، فهو يبدأ عمله وبمجرّد وصوله المعدة، فيأخذ بإتلاف المعدة والكبد وإيقاف القلب عن العمل!
وهكذا حال الأوهام والتخيّلات التي ترِد الذهنَ، فعندما ترد ذهنك خاطرةٌ ما، فإنّ هذه الخاطرة لن تدخل الذهن ثم تعبر عنه متجاوزةً دون أن تترك لها أثراً، بل ستحلّ هذه الخاطرة ضيفاً عزيزاً عليك، فتقوم بدخول الغرفة وإغلاق الباب خلفها، ثمّ تبدأ عملها!
ولكن ما هو العمل الذي ستقوم به؟ إنَّها ستعمل على نخر النفس والذهن وتآكلهما؛ ذلك الذهن الذي كان يجب أن يكون صافياً حتّى يستطيع الإنسان الوقوف أمام الله والصلاة بحضور قلب، فحضور القلب لا يتأتّى ما لم يكن ذهنه صافياً، و بدون صفاء الذهن سوف لن يصدر من الإنسان أيّة نيّة صدق! إنّ هذه الخاطرات ستعمل على القضاء على الصفاء وتبديله إلى كدورة، وتعمل على إيجاد الاضطراب في القلب وإثارة التخيّلات والأوهام ومنح النفس القابلية على اختلاق التصوّرات؛ فستعمل على تخريب كلّ شيء؛ فتمضي نصف ساعة من الزمان وإذا بالرجل يجد نفسه يتخذ موقفاً سلبياً من الطرف المقابل، هذا الموقف الذي لم يكن له وجود قبل نصف ساعة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنَّ تلك الأفكار والتصوّرات كانت قد توغلت في النفس وبدأت في العمل، فهي لا تقف مكتوفة الأيدي.
