
القاعدة الأساسية في العلاقات الاجتماعية
ما هي القاعدة الأساسية التي ينبغي أن يبني عليها الإنسان المؤمن السالك إلى الله علاقاتَه الاجتماعية؟ وكيف ينبغي أن يتصرّف في المواقف المختلفة؟ هذا ما تعرّض له سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة، فبيّن أن الإمام الصادق عليه السلام قد وضع يده في هذه العبارات الشريفة على المشكلة الأساسية التي نعاني منها جميعاً ...
القاعدة الأساسية في العلاقات الاجتماعية
الوصف:
ما هي القاعدة الأساسية التي ينبغي أن يبني عليها الإنسان المؤمن السالك إلى الله علاقاتَه الاجتماعية؟ وكيف ينبغي أن يتصرّف في المواقف المختلفة؟ هذا ما تعرّض له سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة، فبيّن أن الإمام الصادق عليه السلام قد وضع يده في هذه العبارات الشريفة على المشكلة الأساسية التي نعاني منها جميعاً ...
القاعدة الأساسية في العلاقات الاجتماعية
8و كذا الأمر في ما نحن فيه، إذ المهم في وليّ الله عندما يُعَنوَن بهذا العنوان هو نفس هذا العنوان لا وزنه هل هو تسعون كيلو أم ستون أم سبعون، بل ما يهمنا به هو هذا العنوان، وذلك بأن نعرف هل تحقّقت فيه هذه الحالة وحصّل ذلك العنوان أم لا؟ فإذا تحقّق بهذا العنوان، فحينها ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى مطالبه وحركاته وسكناته وتصرفاته، ويرى لأيّ شيء صدرت منه هذه الأمور؟ وبأيّ كيفيّة؟ وينبغي أن ينظر هل يمكن الاقتداء بتصرّفاته هذه أم أنّها صدرت لأمرٍ خاصّ به فلا يصحّ الاقتداء؟ إذ قد يقوم وليّ الله بعمل لا يجب على غيره أن يقوم به! أجل، لا يجب على غيره أن يقوم به؛ لأنه أمر مختصّ به هو، إذ لو كان من المفروض أن نقوم بكلّ عمل يقوم به وليّ الله، فإننا سنكون نحن أولياء الله! وسنكون نحن العرفاء! فهناك أمور تختصّ به هو، لماذا هي مختصّة به؟! لأنّه هو الذي عنده إشراف، و لأنّ عنده إشرافًا هو يقول هذا الكلام ويتصرّف بهذا الشكل.
الوليّ الإلهي عنده إشراف تام على الحقائق؛ ولذا كان أمره حجّة
فعندما بعث الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام خبرًا لعليّ بن يقطين ـ في قصته المعروفة(۱) ـ أن عليك أن تتوضّأ كوضوء أهل السنّة، حينئذٍ صار ذلك الوضوء واجباً عليه، وليس له أن يخالف، فإذا توضّأ عليّ بن يقطين بعد هذه الرسالة كوضوء الشيعة فإنّ وضوءه سيكون باطلًا، و صلاته ستكون باطلة أيضاً، فالإمام عليه السلام قال: يجب أن يكون وضوؤك من اليوم فما بعده بهذه الكيفية، [فإن قلتَ:] لماذا أتوضّأ بهذه الكيفيّة؟ [فسيقال لك:] لماذا تتدخّل أنت بهذا الأمر الذي لا دخل لك به؟ فالإمام قال: يجب أن تتوضّأ مثل وضوء أهل السنة .. بل لو أمرك الإمام بأن لا تتوضأ أصلًا، فعليك ألاّ تتوضّأ، وإن توضّأت فوضوؤك باطل.
إنّ كلام الإمام حقٌ، وكلام الإمام تشريعٌ، وكلام الإمام حجّة، وكلّ ما سواه باطل، فلو أنّ عليّ بن يقطين أتى وقال: كلا، فصحيحٌ أنّ الإمام أمرني بذلك ولكن يمكن لي ألاّ أمتثل، فأنا أعلم بأنّ أمره بسبب التقيّة، ولأجل المداراة [للقوم]، فليس أمراً جاداً ، ولذا لن أمتثل وسأتوضأ بوضوء الشيعة، لو فعل ذلك فإنّ وضوءه سيكون باطلًا، وكلّ صلواته التي يصلّيها به باطلة؛ مع أنّ وظيفتنا نحن هي أن نتوضّأ طبقًا لوضوء الشيعة، ولا يجوز لنا أن نتوضّأ طبقًا لوضوء أهل السنة، وإن توضّأنا مثلهم فإن وضوءنا سيكون باطلًا، فكيف يمكن ذلك؟ أن يكون عملٌ واحدٌ في حالة واحدة باطلًا بالنسبة لشخص ومبرئ للذمة لشخص آخر؟! لأن كلّ شخص له تكليفه الخاصّ به، فذاك الشخص تكليفه أن يعمل بكلام الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وإن تخطّاه إلى غيره كان باطلًا، والصلاة التي صلّاها به عليه أن يقضيها، فعلي بن يقطين بعد أن وصلت إليه رسالة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام بأنّه يجب عليك أن تتوضأ طبقًا لوضوء أهل السنة فلو أنّه قال: لا، لا إشكال بأن لا أتوضأ! فإنّ الله سيعاقبه عقابًا شديدًا، وسيضربه ضربة على رأسه لن يستطيع أن يحرك رأسه منها بعد ذلك! ويقول له: أتخالف أمري؟!
- () يشير سماحته إلى ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد ج٢، ص ٢٢۷ أنّه روى محمد بن إسماعيل ، عن محمد بن الفضل قال : اختلفت الرواية من بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء ، أهو من الأصابع إلى الكعبين ، أم من الكعبين إلى الأصابع ؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه السلام : جعلت فداك ، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين ، فإن رأيت أن تكتب إلي بخطك ما يكون عملي بحسبه، فعلت إن شاء الله . فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام : "فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء ، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا ، وتستنشق ثلاثا ، وتغسل وجهك ثلاثا ، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يدك إلى المرفقين ثلاثا، وتمسح رأسك كله ، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما ، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا ، ولا تخالف ذلك إلى غيره ".
فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين ، تعجب مما رسم له فيه مما جميع العصابة على خلافه ، ثم قال : مولاي أعلم بما قال ، وأنا ممتثلٌ أمره ، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحدّ ، ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر أبي الحسن عليه السلام .
وسُعيَ بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له : إنه رافضي مخالف لك ، فقال الرشيد لبعض خاصته : قد كثر عندي القول في علي بن يقطين ، والقذف له بخلافنا ، وميله إلى الرفض ، ولست أرى في خدمته لي تقصيراً ، وقد امتحنته مراراً ، فما ظهرت منه على ما يقذف به ، وأحب أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك فيتحرز مني . فقيل له: إنّ الرافضة - يا أمير المؤمنين - تخالف الجماعة في الوضوء فتخفّفه، ولا ترى غسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه . فقال: أجل، إن هذا الوجه يظهر به أمره.
ثمّ تركه مدة وناطه بشيء من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة ، وكان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه وصلاته ، فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو ، فدعا بالماء للوضوء ، فتمضمض ثلاثا ، واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه، وخلل شعر لحيته ، وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ، ومسح رأسه وأذنيه ، وغسل رجليه ، والرشيد ينظر إليه ، فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه ، ثم ناداه : كذب - يا علي بن يقطين - من زعم أنك من الرافضة . وصلحت حاله عنده.
وورد عليه كتاب أبي الحسن عليه السلام : " ابتدئ من الآن يا علي بن يقطين ، توضّأ كما أمر الله ، اغسل وجهك مرّة فريضةً وأخرى إسباغا ، واغسل يديك من المرفقين كذلك ، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك ، فقد زال ما كان يخاف عليك ، والسلام "
- () يشير سماحته إلى ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد ج٢، ص ٢٢۷ أنّه روى محمد بن إسماعيل ، عن محمد بن الفضل قال : اختلفت الرواية من بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء ، أهو من الأصابع إلى الكعبين ، أم من الكعبين إلى الأصابع ؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه السلام : جعلت فداك ، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين ، فإن رأيت أن تكتب إلي بخطك ما يكون عملي بحسبه، فعلت إن شاء الله . فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام : "فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء ، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا ، وتستنشق ثلاثا ، وتغسل وجهك ثلاثا ، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يدك إلى المرفقين ثلاثا، وتمسح رأسك كله ، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما ، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا ، ولا تخالف ذلك إلى غيره ".
