
خطر الأغراض النفسانيّة على العمل
إكمالاً لشرح مقطع "وأما اللواتي في الحلم فَمَنْ قَالَ لَكَ: إنْ قُلْتَ وَاحِدَةً سَمِعْتَ عَشْرًا، فَقُلْ: إنْ قُلْتَ عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً" تعرض سماحة السيد قدس سره لنكات سلوكية دقيقة مثل: أهمية التعامل مع الآخرين على أساس الحق والواقع لا على أساس الأغراض النفسية والشخصية؟ وما مدى أهمية أن لا يرى السالك نفسه أثناء قيامه بالتكليف؟ ما هو المنشأ الذي ينبغي أن تصدر منه أفعال الإنسان؟ كيف يعرف الإنسان أن أعماله هل هي ناشئة عن الأغراض النفسية أم امتثالاً لأمر الله؟ ما هو السبب في تغيّر نظرة الإنسان للأمور؟ كيف ينبغي التصرّف مع الأشخاص الذين يجرّون الإنسان نحو قضايا نفسانيّة، وكيف نعرفهم؟ كيف يمكن للإنسان الارتباط بإمامه عليه السلام حتى يعرف ما هو تكليفه؟ وكيف أن الإمام عليه السلام إمام لكل الناس؟ وغيرها من التساؤلات الدقيقة
خطر الأغراض النفسانيّة على العمل
5[ثم أردف المرحوم العلاّمة قائلاً:] أنا من ينبغي عليه اختيار الخطيب الذي سيعتلي المنبر، وسأقوم بالإشراف بشكل مباشر على جميع ما يخصّ الهيئة، بما في ذلك طريقة توزيع الشاي على الحاضرين؛ فهل تجدون في أنفسكم الاستعداد لقبول هذا الأمر؟ فلم يُعجبهم الأمر، فدعوا له بالخير وودّعوه وانصرفوا.
نعم، هذا هو السيِّد الطهراني، فهو لا يرتضي لنفسه أن يتقبّل مسؤولية إدارة هيئة ما ثمّ يقوم الآخرون بإلقاء حبلٍ حول عنقه وجرِّه إلى هنا وهناك، بل إن تقبَّل السيِّد العلاّمة تلك المسؤوليّة، فعليك الطاعة فيما يأمر به أو ينهى؛ فإن كنت لا ترى في نفسك الاستعداد لطاعته، فهنالك الكثير ممّن يستطيعون المجاملة والتبسّم بوجه الآخرين، وممّن يجيد مداراة الناس، وممّن يتماشى معك ولا يقدحك ولا يخدش مشاعرك ولا يقوم بمؤاخذتك، بل على العكس من ذلك سيعملون على مدحك وتمجيدك وتفخيمك؛ فيقومون بالتغاضي عن بعض الأمور، وستعمل أنت ما يحلو لك! لا يا عزيزي، لا تستطيع فعل هذا الشيء مع السيّد العلاّمة، فاذهب وابحث عن شخص آخر من ذوي الأخلاق المهذّبة وممّن يستطيع الإدارة بالشكل الذي يتماشى مع ما ترغب فيه، حيث يوجد الكثير من هذا القبيل!
قال لي المرحوم العلاّمة يومًا: انتبه لنفسك يا سيِّد محسن، وكن حذرًا من المحيطين بك، فهم يقومون بالالتفاف حولك وتسييرك وبشكل تدريجي وفقًا لأهوائهم ومشتهياتهم وبدون أن تكون أنت شاعرًا بذلك حتّى يُلقون بك في جهنّم ولا يعنيهم مصيرك شيئًا، فكن حذرًا بشكل دائم! ولقد واجهتُ العديد من المواقف في فترة ما بعد وفاة المرحوم العلاّمة، فكنت حينها أتذكّر كلامه عندما قال لي: كن حذرًا.. كن حذرًا! ولقد كان هو كذلك، فقد كان يقظًا وحذِرًا، ولقد كنت أشاهد ذلك عن قرب وألمسه في علاقاته مع الآخرين، فكان يزن الأمور ويتعامل معها وفقًا للنتائج التي يتوصلّ إليها، كما كان يتعامل مع الآخرين بجدّية إذا ما استلزم الأمر ذلك؛ فهذا ممّا لا يمكن تجنّبه، سواءً شاء الإنسان ذلك أم أبى.
يقول الإمام هنا: عليك أن تكون يقظًا لئلاّ يكون العمل الذي تقوم به من أجل تحقيق أغراض نفسانيّة؛ فلماذا يسعى الإنسان لأن يكون هو الفائز عندما يواجه قضيّة معينة؟ ولماذا لا يعمل الإنسان على طرح واقع الحال عند التقاضي بشأن خصومةٍ أو نزاعٍ يحصل مع الطرف المقابل؟ هذا بغضّ النظر عن العواقب المترتّبة على هذا الأمر وعن الحساب الأخروي التي يستوجبه، وإن كنَّا لسنا بصدد الحديث عن وجود حساب أخروي من عدمه في هذا المقام، بل السؤال المطروح هنا هو: لماذا يقوم الشخص باعتبار نفسه محقًّا بدلاً من القيام بإرجاع الحقّ إلى صاحبه عندما يعلم أنَّ الحقَّ مع طرف النزاع الآخر؟ إنَّ السبب الكامن وراء كلّ هذا هو مسألة حبّ النفس؛ فهو لا يريد أن يبدو في موقف ضعيف، وذلك بغضّ النظر عن كونه محقًّا أم مبطلاً؛ فموضوع الحقّ وواقع الأمر لا يعنيه بشيء، بل كلّ ما يعنيه هو: هل سيتمّ حفظ مكانته في هذا النزاع أم لا؟ فإن حُفظت له، فسيكون الوسيط الذي حكم له بذلك هو أفضل وسيط في العالم، وإلاّ فسيكون هذا الوسيط هو الأسوأ في العالم وسيكون المجلس الذي يُقيمه هؤلاء الأشخاص هو كمجلس يزيد والشمر؛ هذا في الوقت الذي كان فيه ذلك الشخص يصف هذا المجلس في العام الماضي أو قبل ستّة أشهر على أنَّه مجلس مفعم بالنور، ويعمل على تبديل الحالة الروحيّة للإنسان؛ وإذا به يتبدّل فجأةً إلى مجلسٍ شيطاني ومجلس الشمر ويزيد وعمر بن العاص. حسنًا، فالمجلس هو ذات المجلس، والحاضرون فيه لم يتغيّروا، والحديث الذي يجري فيه هو نفسه من دون أن يتغيّر فيه أيّ شيء؛ إذ الكلام هنا عن منهج واتّجاه، وهذا الاتّجاه لا يتغيّر دفعةً واحدة إلى اتّجاه معاكس؛ فما الذي حصل بحيث تغيّرت نظرته تجاه هذا المجلس؟! إنَّ ما حصل هو أنَّ ذلك الشخص هو الذي تغيّر، لكنّ المسكين لا يعلم السبب الكامن وراء انحرافه.. فأنت الذي تغيّرت يا هذا، ولم يتغيّر المجلس ولا حاضروه!
