
خطر الأغراض النفسانيّة على العمل
إكمالاً لشرح مقطع وأما اللواتي في الحلم فَمَنْ قَالَ لَكَ: إنْ قُلْتَ وَاحِدَةً سَمِعْتَ عَشْرًا، فَقُلْ: إنْ قُلْتَ عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً تعرض سماحة السيد قدس سره لنكات سلوكية دقيقة مثل: أهمية التعامل مع الآخرين على أساس الحق والواقع لا على أساس الأغراض النفسية والشخصية؟ وما مدى أهمية أن لا يرى السالك نفسه أثناء قيامه بالتكليف؟ ما هو المنشأ الذي ينبغي أن تصدر منه أفعال الإنسان؟ كيف يعرف الإنسان أن أعماله هل هي ناشئة عن الأغراض النفسية أم امتثالاً لأمر الله؟ ما هو السبب في تغيّر نظرة الإنسان للأمور؟ كيف ينبغي التصرّف مع الأشخاص الذين يجرّون الإنسان نحو قضايا نفسانيّة، وكيف نعرفهم؟ كيف يمكن للإنسان الارتباط بإمامه عليه السلام حتى يعرف ما هو تكليفه؟ وكيف أن الإمام عليه السلام إمام لكل الناس؟ وغيرها من التساؤلات الدقيقة
خطر الأغراض النفسانيّة على العمل
13وحينئذٍ، سيكون قد انهزم، ويكون عمله مضاهيًا لاغتيال عبيد الله بن زياد في منزل هانئ بن عروة؛ فكلاهما يقع تحت عنوان واحد، والفرق بينهما أنَّ هذا يتم عن طريق اللسان وذلك عن طريق السيف؛ أي أنّهما عبارة عن حركة واحدة، لكنّها تتجلّى في أشكال وأبعاد وظهورات مختلفة؛ فهل ستكون ردّة فعل الإنسان لله، أم دفاعًا عن النفس؟
يقول لنا الإمام الصادق: عليك أن تكون يقظًا، فعند تكلّمك وتعاملك مع بقيّة الأشخاص؛ هل أنت تقوم بذلك بدافع التكليف أم بدوافع نفسيّة؟ انتبه، فقد يقتضي منك التكليف التزام الصمت في بعض الموارد، مما يؤدِّي من الناحية الظاهريّة إلى هزيمة الإنسان وفقدان منزلته ومكانته أو إلى حصول تغيير وتبدّل في أحواله وأوضاعه! فليحصل ما يحصل! فعلى الإنسان أن يلتزم الصمت في الكثير من المواقف، فيجلس ليتفرّج على ما يجري؛ كأن يقوم الشخص المقابل بالتحدّث لمدة ساعة وإيراد الأدلّة على ما يقول.
أسلوب التصرّف مع الأشخاص الذين يجرّون الإنسان نحو قضايا نفسانيّة
وأحيانًا، قد ينتابني الضحك عندما أطالع بعض هذه الأمور، وأقول مع نفسي: كم يُتعب هؤلاء القوم أنفسهم؟ فإلباسُ الكذبِ ثوبَ الحقيقة يحتاج إلى الكثير من الجهد!
ـ ما الداعي لكلّ هذا؟
ـ يجب ألاّ نُهزم ونظهر بمظهر الضعف ونحن نحتلّ تلك المكانة! ولا ينبغي أن يُقال لنا: لقد انهزمتم! فحتّى وإن حصل كذب في موقف ما، فيجب علينا تبرير الموضوع واستعمال أنواع المغالطة والجدل والاستدلال بشتّى أنواع الأدلة لإثبات صحّة الموضوع، وذلك لكي لا يحصل خدش في مكانتنا!
ـ يا أيّها السيّد، بدلاً من أن تُتعب نفسك بهذه الأمور، عليك بقراءة حديث عنوان البصري الذي أوصى المرحوم العلاّمة بقراءته مرّة في الأسبوع، حيث ستوفّر على نفسك عناء الوقوع تحت ذلك الضغط وتتجنّب حصول المشاكل؛ فاقرأه مرة في الأسبوع: مَنْ قَالَ لَكَ: إنْ قُلْتَ وَاحِدَةً سَمِعْتَ عَشْرًا، فَقُلْ له: إنْ قُلْتَ عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً. فعندما تقول له: إنْ قُلْتَ عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً، فسينسحب الشخص ويغادر؛ على أنَّ لدى بعض الأشخاص مرض الرغبة في المجادلة، وذلك مرض حقًّا! فتجد الشخص يترصدّ ويتحيّن الفرص ليحصل على كلمة أو موضوع فيحمله ويغادر؛ فمثل هذا الشخص لا يعرف السكون والهدوء، وهذا مرض من الأمراض! فإن تكلّم المقابل بعشرة عبارات جيّدة، فلا تعنيه تلك العبارات بشي، ولكن ما إن ينطق بكلام، وإن كان ذلك الكلام ليس بكلام سيّء ولكنَّه يستطيع أن يجد له محملاً سيّئًا، إلاّ وتراه قد ركّز على ذلك الموضوع وصبّ عليه جامّ انتقاده! فأسألك ـ بينك وبين الله ـ يا أيّها الشخص الذي تدين بدين الإسلام، لو كان قائلُ هذا الكلام هو أحد أبنائك أو صديقًا لك أو أحد أفراد مجموعتك أو حزبك الذي تنتمي إليه، أكنت ستتهجّم عليه بهذه الطريقة؟ أم أنَّك كنت ستستدلّ بألف آية وحديث على إثبات صحّة كلامه؟ لكن بما أنّ القائل ينتمي إلى الطرف الآخر، فلا بدّ من حمل الموضوع على الوجه السيّء ولا بدّ من مهاجمته! فيكون ذلك معاكسًا تمامًا لمضمون هذه الرواية، حيث أنّها تقول: إن قيل لك عشرًا، قل لهم: لن تسمعوا منّي ولو واحدة، وانصرف عنهم.. {وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا}۱ فعباد الرحمن هم أولئك الأشخاص الذين يمشون على الأرض بهدوء ومن دون تبختر٢، وإن قابلهم شخص جاهل وقال لهم: إن قلت واحدة سمعت عشرًا، قالوا له: السلام عليك، كيف حالك؟ أسأل الله لك التوفيق وأستودعك الله! فإن قال الشخص الجاهل: لديّ ما أريد البحث فيه معك، يجيبه: دع ذلك لوقت آخر! فذاك يريد بكلامه هذا الشروع بالبحث، لكنّه يقوم بسدّ الطريق بوجهه والدعاء له وتوديعه وعدم السماح له بإجراء النقاش؛ إذ إنَّ محور حياة هؤلاء الأشخاص يدور حول هكذا أمور، فهو لا يستطيع إدامة حياته، ولا يستطيع النوم ليلاً بدونها، بل لا بدّ له من تناول أقراص منوّمة حتّى يستطيع النوم! فلا يقرّ له قرار ما لم يُحدث شجارًا بين الآخرين.. نعم، يوجد مثل هؤلاء الأشخاص وأنا أعرف الكثير منهم، فتجد أنّ أحدهم لا يستطيع النوم ما لم يُشعل نار الفتنة بين الناس وما لم يتّصل هاتفيًّا، ويُرسل رسائل عن طريق الهاتف المحمول إلى هذا وذاك عشرة مرّات في اليوم، وما لم يقم بأمثال تلك الألاعيب والخزعبلات؛ فهذا هو أحد الأمراض الذي لا أعلم ماذا يمكن أن نُطلق عليه من اسم! فأيّ نوع من الكائنات هذا؟! لأنّنا لا يمكننا أن نُسمّيه إنسانًا! فهو لا يستطيع أن ينام ما لم يفعل ذلك؛ فلا بدَّ من أن يُرسل رسالة قبل النوم لكي يستطيع النوم براحة بال، حيث أنّ لتلك الرسالة مفعول خمسة من الأقراص المنوّمة؛ فتراه يتّصل بأحد الأشخاص ليقول له: ألم تسمع الخبر الكذائي من فلان؟
- سورة الفرقان (٢٥)، الآية ٦٣.
- تكبّر.
