
خطر الأغراض النفسانيّة على العمل
إكمالاً لشرح مقطع وأما اللواتي في الحلم فَمَنْ قَالَ لَكَ: إنْ قُلْتَ وَاحِدَةً سَمِعْتَ عَشْرًا، فَقُلْ: إنْ قُلْتَ عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً تعرض سماحة السيد قدس سره لنكات سلوكية دقيقة مثل: أهمية التعامل مع الآخرين على أساس الحق والواقع لا على أساس الأغراض النفسية والشخصية؟ وما مدى أهمية أن لا يرى السالك نفسه أثناء قيامه بالتكليف؟ ما هو المنشأ الذي ينبغي أن تصدر منه أفعال الإنسان؟ كيف يعرف الإنسان أن أعماله هل هي ناشئة عن الأغراض النفسية أم امتثالاً لأمر الله؟ ما هو السبب في تغيّر نظرة الإنسان للأمور؟ كيف ينبغي التصرّف مع الأشخاص الذين يجرّون الإنسان نحو قضايا نفسانيّة، وكيف نعرفهم؟ كيف يمكن للإنسان الارتباط بإمامه عليه السلام حتى يعرف ما هو تكليفه؟ وكيف أن الإمام عليه السلام إمام لكل الناس؟ وغيرها من التساؤلات الدقيقة
خطر الأغراض النفسانيّة على العمل
12ـ إنَّه الإمام الحسين!
ـ ومن الذي يعمل على حصول واقعة كربلاء؟ ومن الذي يُخطّط لها؟
ــ إنَّه ذلك الشخص الذي يُعدّ واسطةً في نزول التقدير والمشيئة الإلهيّة في هذا العالم؛ فهو الذي يعمل على إنجاز هذا الأمر! وهو يقول: املئوا القِرب لكي يتمكّنوا من قطع الطريق علينا! فلو لم نملأ القِرب، لأهلكناهم في ظرف ساعة من الزمان، ولما كان هنالك واقعة باسم واقعة كربلاء؛ لأنّه سيكون بإمكاننا حينئذٍ أن نسلك طريقًا آخر، حيث حصل جدال بين الإمام الحسين والحرّ، فقال الإمام له: ثَكلتك أُمك! فأجابه الحرّ: لو أنّ أحدًا في هذا العالم كلّمني بمثل ما كلّمتني به، لرددت عليه، لكن ماذا أفعل وأمّك فاطمة؟!۱ لقد راعى الحرّ الأدب هنا، وهذا هو الذي أنقذه!
فلو لم يتمّ سقيهم الماء، لماتوا عطشًا، ولما كان هنالك حاجة للسيف والقتال. [فلو أنَّ الإمام قد سألهم:]
ــ ماذا تريدون؟
ــ إنَّنا نموت من شدة العطش!
ــ فلتموتوا، فهذا هو الذي نريد، فنحن نريد موتكم لكي يُفتح لنا الطريق للذهاب إلى المكان الذي نبتغيه.
فالإمام الحسين يأمر بالتزوّد بالماء الإضافي لكي يسقي أعدءه حتّى لا يهلكوا من العطش، ولكي تحصل واقعة عاشوراء؛ فهل يمكننا القول بأنَّ الإمام الحسين لم يكن يعلم ما الذي سيحصل؟ كلاّ، فهذا غير صحيح، ولا يمكن أن يكون؛ وعليه، ما هو السبب في كلّ ذلك؟ السبب في ذلك أنّه وضع الأنانيّة جانبًا، وعندما تنتفي الأنانيّة، يستوي الأمر بالنسبة إليه: فليحصل ما يحصل، وليخسر الحرب؛ لأنّه لا وجود للأنا في البين.
وحينئذٍ، عندما تنتفي الأنانيّة، يصبح الإنسان غير مباليًا إن حصل الهجوم عليه في هذا الكتاب أو كُذِب عليه ألف كذبة في ذلك المقال، بل ليُضف على ذلك المزيد؛ إذ إنَّ الأمر مبنيّ على انتفاء الأنانيّة، فيُصبح التكليف الشرعي هو وجوب إظهار الحقّ لا أكثر، فما زاد على ذلك فسيدخل في مجال النفس! فمادام الإمام الصادق قد أمرك بمناظرة المخالفين، فإنّ ذلك هو تكليفك الشرعي، وأمّا عندما يستشهد الإمام الصادق، وتنتقل الإمامة إلى موسى بن جعفر عليهما السلام، ويأمرك بالتزام الصمت وعدم البحث والجدال وعدم تحريك مشاعر الطرف المقابل، ثمّ تذهب أنت وتفعل ذلك، فما الذي يعنيه هذا التصرّف؟! إنّ ذلك يعني أنَّ ما تقوم به الآن ليس لله، بل هو من أجل نفسك، وعملك هذا يعتبر عملاً مخالفًا ومضادًّا للولاية، وهو خلاف التكليف؛ فإن كنت تعتبره تكليفًا، فهل تعتقد بأنَّك أنت أكثر إدراكًا لوجوب التكليف أم الإمام موسى بن جعفر؟ فهو يقول: لا تفعل! فما دام قد قال لك: لا تفعل، فعليك الجلوس في مكانك، لكن مع ذلك يقول: انظر إلى هذا الشخص يتعرّض للولاية! أنت في واقع الحال في معرض الدفاع عن نفسك لا عن الولاية؛ فأنت تشعر بأنَّك تفقد من وزنك وأنَّ نفسك تتعرّض للتحقير إن التزمت الصمت تجاه ما يطرحه المقابل، وأهميّة ذلك أكثر لديك من الدفاع عن الولاية! فإن كان قيامك بقصد الدفاع عن الولاية، فها هو صاحب الولاية يأمرك بالسكوت؛ فالذي تفعله الآن هو ليس دفاعًا عن الولاية، بل أنت تقول: كيف يجرؤ هذا الشخص على التكلّم حول هذا الموضوع من على المنبر مع وجودي أنا هشام بن الحكم؟! سأسحقه وألقي به جانبًا!! كيف أكون أنا جالسًا هنا، وهو يتكلّم بهذا الكلام؟! سيقولون: انظروا، ها قد أُفحم! فدفاعه هذا إذن هو لإثبات قدرته، لا للعمل بكلام الإمام موسى بن جعفر والإمام الصادق!
- «أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي أنت عليها، ما تركت ذكر أمّه بالثكل أن أقوله كائنًا من كان، ولكن والله مالي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما يُقدر عليه» مقاتل الطالبيين، ص ۷٣.
