
كيفيّة الاستفادة من الطعام في السير والسلوك
ما هو الملاك الذي ينبغي على الإنسان مراعاتُه في التغذية؟ وهل للعلاّمة رضوان الله عليه بعض التعليمات الخاصّة بشأن التغذية؟ وما هو تأثير التسمية وعدمها في الطعام؟ وكيف يكون لحلّية الطعام أو حرمته تأثير في سلوك الإنسان؟ وبما أن الأيام كانت أيام شهر شعبان تطرّق سماحته لأهمية ذلك الشهر، وماهي علاقة شهر شعبان بشهر رمضان المبارك، ولماذا جاء قبله؟ هذه الأسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها، مستفيدًا في ضمن ذلك من بعض القصص التربويّة، لا سيّما قصّة صُلح الحديبيّة.
كيفيّة الاستفادة من الطعام في السير والسلوك
6لقد كان المسلمون قد وعدوا عوائلهم بفتح مكّة وتحطيم الأصنام وفعل كذا وكذا، والعودة إلى المدينة بالغنائم من الذهب والأموال التي سيحصلون عليها من كفّار قريش؛ وإذا بهم يرجعون بخفيّ حنين مطأطئين رؤوسهم للأسفل، فيأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحلق رؤوسهم لأجل الخروج من الإحرام والرجوع. فاستجاب بعض المسلمين لأمر النبي؛ [بينما اعترض البعض الآخر قائلين:] إنَّ من يحلق رأسه هو ذلك الذي أدّى مناسك الحج، فكيف نحلق رؤوسنا ونحن لم نحجّ؟ فإن قيل لنا عند عودتنا: «إنَّكم لم تصلوا إلى مكّة، فأين هو فتح مكّة وإخراج قريش منها الذي وعدتم به؟ ومتى قمتم بالطواف والسعي؟ فما معنى حلق الرأس إذًا؟» فبماذا سنجيب الناس؟ هل سنقول لهم: لقد قطعنا كلّ هذه المسافة ورجعنا بخفيّ حنين؟! فكلّ ما قمنا به هو أنَّنا عقدنا معاهدة صلح مع قريش ثمّ عدنا! سلّمنا أنّه ينبغي علينا العودة، لكن لماذا يكون علينا أن نحلق رؤوسنا؟ إذ سيُقال لنا: أنتم لم تصلوا مكّة ولم تقوموا بالطواف والسعي، فما معنى الحلق إذًا؟
انتبهوا جيدًا، فهذه مسائل في غاية الأهميّة! فهنا يُظهر الفقيه حقيقته، وما هو شعوره تجاه تكاليف الأشخاص وتكاليف مقلديه؛ فهل سيتنصّل من مسؤوليته أم سيعمل على أن يضع قدم المقلِّد في نفس ذلك الطريق الذي وضع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدمه؛ فالتفاوت كبير جدًّا بين هذين الشعورين: بين الشعور الذي يتمّ بموجبه تمرير الأمور بسرعة والعمل على حلّ مشاكل الأفراد بأيّ نحوٍ كان، وبين الشعور القاضي بإراءة ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله والأئمّة والأنبياء، والذي يتضمّن سعادة الناس وتترتّب عليه الثمار والنتائج [العظيمة]؛ فلماذا لا يتمّ إرشادهم إلى هذا الطريق؟ وهنا تتبدّل رؤية الإنسان للأمور، وتصبح رؤيته أكثر دقّة، ويتّضح مقدار الأهميّة التي نوليها لهداية الناس ورشدهم وتعاليهم! هذا فيما إن كان [مثل هذا الفقيه] يُدرك هذا الأمر، وأمّا إن كان لا يُدركه، فالمسألة أصعب، وهي خارجة عن محلّ البحث من الأساس.
جاء عدد من الأشخاص إلى رسول الله وقالوا له: كيف نحلق رؤوسنا ونحن لم نحجّ؟! فلم يُجبهم رسول الله بشيء. [فلسان حالهم يقول:] لقد وعدنا نساءنا وأطفالنا وأصدقاءنا بأنَّنا سنفتح مكّة ونُحطّم جميع الأصنام ونؤدّي الطواف والسعي ونعود فاتحين غانمين ونقول لبعضنا: انظروا، ها قد حلقنا رؤوسنا! فنحن الذين قتلنا ودمّرنا [وقضينا] على أبي سفيان وأصحابه وأخرجناهم من مكة؛ وها قد عدنا بهذا الوضع الذي ترونه! لكن ما الذي يعنيه هذا؟ إنَّها النفس! فكلّ هذا الذي يريدونه مربوط بالمسائل النفسانيّة. [فهم يريدون أن يقولوا عند عودتهم:] نحن الذين فعلنا ذلك، وانظروا كيف حلقنا رؤوسنا؛ فنحن من فعل كلّ ذلك وها قد عدنا!
