
كيفيّة الاستفادة من الطعام في السير والسلوك
ما هو الملاك الذي ينبغي على الإنسان مراعاتُه في التغذية؟ وهل للعلاّمة رضوان الله عليه بعض التعليمات الخاصّة بشأن التغذية؟ وما هو تأثير التسمية وعدمها في الطعام؟ وكيف يكون لحلّية الطعام أو حرمته تأثير في سلوك الإنسان؟ وبما أن الأيام كانت أيام شهر شعبان تطرّق سماحته لأهمية ذلك الشهر، وماهي علاقة شهر شعبان بشهر رمضان المبارك، ولماذا جاء قبله؟ هذه الأسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها، مستفيدًا في ضمن ذلك من بعض القصص التربويّة، لا سيّما قصّة صُلح الحديبيّة.
كيفيّة الاستفادة من الطعام في السير والسلوك
5كان الأطباء قد أبلغوا المرحوم العلاّمة ـ رضوان الله عليه ـ بضرورة عدم الصيام؛ فلم يكن يصوم في السنوات الأخيرة من عمره، غير أنَّه لم يكن يتناول الطعام، بل كان يشرب السوائل فقط. وعندما كان يحين موعد الإفطار، كان يجلس على مائدة الإفطار ويقول: حسنًا، أنا لا أصوم، لكنّني إذا لم أُفطر ولم أتسحّر أيضًا، سأصبح كافرًا مطلقًا! فإن كنت لا أصوم، فعلى الأقل عليّ المشاركة في تناول طعام الإفطار والسحور.
وفي هذه الحالة قد يقول الإنسان: يا للعجب! وكيف يمكن لوليّ إلهي أن لا يصوم في أواخر عمره؟ وما هي حقيقة هذا الأمر؟!
ـ لا، لم يكن يصوم، ولا يُفترض به أن يصوم، بل ومن الذي أوجب عليه الصيام؟
فإن كان الله هو الذي أوجب عليه الصيام، فهو الذي يقول له: لا تصم في هذه الحالة! [يقول الله:] ألست أنا الذي أوجب الصوم؟ فلو كنتَ أنت الذي أوجبته، فلك أن تصوم، ولتصم ما شئت أن تصوم! فلتصم أربعة وعشرين ساعة أو ثمانية وأربعين ساعة ولتصم بالمقدار الذي يحلو لك! وليُصبك ما يصيبك! أمّا عندما أكون أنا الذي فرض الصوم وأوجبه، وأنا الذي أقف وراء هذه المسألة، فعليك أن تعمل وفقًا لرأيي وإرادتي ومشيئتي وضمن حدود أمري ونهيي.
فإن قلتُ اليوم: صم، فعليك أن تقول: سمعًا وطاعةً؛ وإن قلتُ لك في الغد: أفطر، فقل: سمعًا وطاعةً؛ ولا تتصرّف كما تصرّف بعض الناس من أهل المدينة عندما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّهم سيتحرّكون إلى مكّة ووعدهم بفتحها؛ وبعد ذهابهم، حصل ما حصل وانتهى الأمر بصلح الحديبيّة؛ وعندما أمرهم الرسول بالعودة إلى المدينة، قالوا: ألم تعِدنا بفتح مكّة؟ فقال النبيّ: لقد قلت لكم سنفتح مكّة، ولكن هل قلت لكم بأنَّنا سنفتحها هذا العام؟۱
بعض النكات التربويّة المستفادة من قصّة صُلح الحديبيّة
كان بإمكان النبيّ أن يقول للناس بأنَّنا سوف لن ندخل مكّة هذا العام، فلماذا لم يقل لهم ذلك؟ هل كان بإمكانه أن يقول ذلك، أم لا؟ نعم، كان بإمكانه فعل ذلك، وهو يعلم بهذا الأمر أكثر من غيره، حيث كان يعلم بأنَّهم سيصلون أطراف مكّة، ثم يعودون.. حسنًا، قل لهم ذلك منذ البداية، لكي يرتاح بالهم! قل لهم: ستذهبون حتّى أطراف مكة، ثمّ لن تحصل أيّة حرب، وستُعقد بيننا وبينهم معاهدة صلح، وسنعود إلى المدينة، وسيتمّ فتح مكّة في السنة القادمة وليس في هذه السنة. لو كان النبيّ قد فعل ذلك، فلن يكون لأيٍّ منهم ميزة أو فضل؛ لأنّهم سيكونون على علم بأنَّهم سيقطعون كلّ هذه المسافة، وسوف لن يحصل أيّ شيء، ثم يعودون. وهذا هو السبب الكامن وراء عدم إخبار أولياء الله بتفاصيل القضايا التي يطرحونها؛ فلو أخبروا بها منذ البداية، فلن يعُد لها أيّة فائدة ولن تُثمر الثمرة المطلوبة، حيث سيكون ذلك الشخص عالمًا بحقيقة الأمر وبالنتيجة التي ستؤول إليه... لكنّهم يلتزمون الصمت في هكذا موارد، بل ويتظاهرون بعكس ما يعلمون، فيقولون: اذهب وافعل كذا وكذا، في الوقت الذي يعلمون فيه حقيقة ما سيحصل.
- راجع: مستدرك الوسائل، ج ٩، ص ٣۱٢. المترجم
