
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
بدأ سماحته في هذه المحاضرة بختم الحديث في فقرة «أمَّا اللَوَاتِي في الرِّيَاضَةِ: ... » ، وذلك بتلخيص وعرض أهم ما تمّ بيانه سابقًا، فتعرّض سماحته إجمالًا لمعنى الحماقة والبله الوارد في الفقرة، وبيّن كيفيّة تصرّف الإنسان العاقل في المواقف المختلفة، وشرح علاقة الإكثار من الطعام بحصول البله والحماقة، كما تعرّض لبيان المراد من الأكل الحلال، وبين كيف أنّه من الخطأ التركيز على الأمور الظاهرية دون المعنويّة، فعرض لثلاثة نماذج: زيارة الإمام الرضا وصلاة الجماعة وكيفيّة بناء المساجد ودور العبادة، ومن خلال ذلك بيّن كيفيّة تأثير بعض المعاملات التجاريّة في جعل الطعام مشتبهًا. كما تعرّض سماحته في ذيل المحاضرة لذكر بعض الوصايا في كيفيّة استقبال شهر رجب.
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
16قصّة الإمام الصادق مع التاجر الذي طلب الخيرة
جاء شخص إلى الإمام الصادق عليه السلام طالبًا الاستخارة، فاستخار له الإمام وظهرت الاستخارة سيّئة؛ فسافر هذا الشخص وبعد عودته من السفر جاء إلى الإمام قائلاً: لقد استخرت لي، وكانت الاستخارة غير جيدة؛ فقال الإمام وما الذي حصل؟ قال: كانت استخارتي لغرض الذهاب في سفرة تجاريّةٍ، فسافرت وكان ربحي في هذه السفرة مضاعفًا. فقال له الإمام كانت نتيجة الاستخارة سيئة بسبب فوات وقت صلاة الصبح، لأنَّك نمت متأخراً، فلم تنهض للصلاة في وقتها، وصلّيتها قضاءً؛ أتتذكر ذلك؟ فقال: نعم، نعم أتذكر ذلك. فقال الإمام: لهذا السبب كانت نتيجة الاستخارة سيئة.
فهل يفترض أن يكون النظر إلى الأمور على أساس دنيويّ؟! عندما نتمعّن في هذه الحكاية، نقول: إن فاته وقت الصلاة، فلا بأس يستطيع أن يقضيها؛ ونتعامل مع الأمر هكذا بهذه البساطة! أمّا الإمام الصادق عليه السلام ولكونه إمام فيُخبره بحجم الخسارة التي خسرها؛ على عكس ما نفهمه نحن، فنحن نتعامل مع الموضوع بشكلٍ عادي ونقول: لقد حصل هذا الأمر إذن، وهو يحصل لنا كثيراً ونقوم بقضاء تلك الصلاة. فإن جاءك هذا الشخص مستشيراً وأنت تعلم بأنَّ صلاة الصبح ستفوته وسيصليها قضاءً بسبب نومه المتأخر في تلك الليلة، هل كنت ستنهاه عن السفر؟ لا، بل ستقول له: اذهب؛ لماذا؟ لأنَّنا لم ندرك أهميّة الموضوع؛ فلكوننا لم ندرك أهميّته، نقول له اذهب؛ وتستطيع قضاء ما فاتك من الصلاة، فهذا ليس بالأمر المهم!
لا بدّ وأن يكون هذا الشخص مُقصّـِراً في تكليفه [في القيام للصلاة]، وإلاّ لما تكلّم معه الإمام بهذا الشكل. فقد يحصل أن تفوت الإنسان الصلاة [بدون تقصير] فيؤدّيها قصـراً، فهذا ممّا يحصل أحياناً، وهو ليس بالأمر المهم. نعم، يبدو بأنَّ الشخص كان مُقصِّراً، فرأى الإمام مقدار ما خسره ذلك الشخص؛ لذا قال له: لا تفعل. ولكنَّ ذلك الشخص خالف كلام الإمام وذهب وابتلي بهذا الابتلاء، ثمّ يأتي ليعترض على الإمام قائلاً: يا بن رسول الله، لقد كان سفري سفرًا ممتعًا، وكان ربحي مضاعفًا! فأين هو الخلل بحيث كانت الاستخارة سيئة؟! يقول الإمام ـ (أنا [يشير سماحته إلى نفسه] الذي أقول ذلك [نيابة عن الإمام] ـ إنَّ هكذا تقيِّيم للمسألة ناجم عن أسلوبك وتفكيرك الخاطئ وسوء فهمك للأمور، وانحراف ثقافتك وتخلّفك عن المسير الصحيح، [ولذا تراه سفرًا جيّدًا بالنسبة لك] أمّا بالنسبة للشخص الذي لا يريد التخلّف عن القافلة، فلو كان ربحه أكثر من هذا بمائة مرّة، ما كان ليذهب في سفرٍ كهذا ليطلب هذا الربح.
