
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
بدأ سماحته في هذه المحاضرة بختم الحديث في فقرة «أمَّا اللَوَاتِي في الرِّيَاضَةِ: ... » ، وذلك بتلخيص وعرض أهم ما تمّ بيانه سابقًا، فتعرّض سماحته إجمالًا لمعنى الحماقة والبله الوارد في الفقرة، وبيّن كيفيّة تصرّف الإنسان العاقل في المواقف المختلفة، وشرح علاقة الإكثار من الطعام بحصول البله والحماقة، كما تعرّض لبيان المراد من الأكل الحلال، وبين كيف أنّه من الخطأ التركيز على الأمور الظاهرية دون المعنويّة، فعرض لثلاثة نماذج: زيارة الإمام الرضا وصلاة الجماعة وكيفيّة بناء المساجد ودور العبادة، ومن خلال ذلك بيّن كيفيّة تأثير بعض المعاملات التجاريّة في جعل الطعام مشتبهًا. كما تعرّض سماحته في ذيل المحاضرة لذكر بعض الوصايا في كيفيّة استقبال شهر رجب.
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
13كما أنَّ على المصلّي ألاّ يُركِّز ذهنه وتفكيره وبصره صوب إمام الجماعة، بل كلّ ما عليه هو متابعته في الركوع والسجود لا أكثر؛ فما سوى ذلك سيؤدي إلى انصراف الذهن عن مبدأ الوجود [وهو الله عزّ وجل]. فيجب على المُصلّي التوجّه إلى مبدئٍ واحدٍ، لا إلى مبدأين أحدهما الله والثاني إمام الجماعة؛ بل يجب صرف النظر حتّى عن التوجّه إلى الملائكة، كأن يُفكر الإنسان بأنَّ الملائكة يسجلون له الثواب الآن؛ فتوجّه المُصليّ نحو الملائكة هو شِرك. فعندما ينظر المُصلّي إلى الله، عليه أن يصرف ذهنه عمّا سواه ولا يجب أن يخطر على باله شيء آخر. فالتفكير بالجدار الذي أمامه، ما لونه؟! وهل هو مُغلّف بالفسيفساء أم لا؟! كلّ ذلك ناجمٌ عن وسوسة الشيطان.
النموذج الثالث: بناء المساجد ودور العبادة
لذا تمت التوصية بعدم تزيِّين جدران المساجد بالزينة والألوان، لأنَّها تبعث على تشتيت ذهن المصلِّي؛ ويصبح المسجد مثل الكنائس التي يستخدمون دقائق المسائل الفنيّة في تزيِّينها. ما كلّ هذه الزخارف؟! كلّ تلك الأمور تجعل الشخص الداخل إلى الكنيسة أو الكنيس، وبدلاً من أن يتوجّه إلى الله، يقوم بالتفرج على تلك السقوف المزينة وتلك الزخارف.
ذهبت مرّة لرؤية إحدى الكنائس الكبيرة، والتي ربّما تكون أكبر كنيسةٍ في العالم، للتعرّف على أحوال أولئك الناس؛ فرأيت بأنَّ الشخص الداخل وبدلًا من الاشتغال بالعبادة، يأخذ بالتحديق بتلك الزخارف! فهل أتيتَ يا هذا لغرض العبادة والدعاء في يوم الأحد، أم كان مجيئك لغرض التفرّج على تمثال السيَّد المسيح؟! ذلك التمثال الذي استغرق نحته مدّة ثلاثين عامًا. فترى الأشخاص مشغولين بالتقاط الصور وتصوير الأفلام. فمتى كان هذا المكان ـ وهو بهذه الحالة ـ يصلح للتوجّه إلى الله والعبادة؟! فكلّ شيءٍ هناك عبارةٌ عن تماثيلٍ وصوَر، فأين هو الله في هذا الوسط؟ فلا ترى سوى التماثيل والنقوش والأعمال الفنيّة والمعماريّة والانشغال بالأمور الدنيويّة.
وليكن بعلمكم إنَّهم متقدمون علينا في هذا المجال. [وها نحن نعمل نفس الشـيء] فتجد مساجدنا مزينةً بدقائق الزينة، فهم يعملون على تزيِّين السقوف والجدران سنتيمتراً سنتيمتراً. لكن هل أمر الإسلام بأيٍّ من هذه المسائل أو أكَّد عليها؟ فلو أنَّ مسجداً قد تمّ بناءه على نحو هذا المكان الذي نحن جالسين فيه؛ على أنَّ هذا التغليف بالحجر زائد عن الحاجة [يشير سماحته إلى الرخام الذي غلّف به جدار المجلس]، فلو كانت جميع الجدران مغطاةً بالجبس لكان ذلك أفضل، فلو تغاضينا عن هذا المقدار، فأيّ نقصٍ وأيّ عيبٍ سيكون في مسجد يتمّ بناؤه على هذا الطراز؟
