
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
بدأ سماحته في هذه المحاضرة بختم الحديث في فقرة «أمَّا اللَوَاتِي في الرِّيَاضَةِ: ... » ، وذلك بتلخيص وعرض أهم ما تمّ بيانه سابقًا، فتعرّض سماحته إجمالًا لمعنى الحماقة والبله الوارد في الفقرة، وبيّن كيفيّة تصرّف الإنسان العاقل في المواقف المختلفة، وشرح علاقة الإكثار من الطعام بحصول البله والحماقة، كما تعرّض لبيان المراد من الأكل الحلال، وبين كيف أنّه من الخطأ التركيز على الأمور الظاهرية دون المعنويّة، فعرض لثلاثة نماذج: زيارة الإمام الرضا وصلاة الجماعة وكيفيّة بناء المساجد ودور العبادة، ومن خلال ذلك بيّن كيفيّة تأثير بعض المعاملات التجاريّة في جعل الطعام مشتبهًا. كما تعرّض سماحته في ذيل المحاضرة لذكر بعض الوصايا في كيفيّة استقبال شهر رجب.
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
11يقول الله: عليك أن تجعلني أمامك في الصلاة وتقتدي بي؛ كلّ ما في الأمر هو ألّا يكون إمام الجماعة الذي تقتدي به شخصًا معروفًا ومشهورًا بالفسق، ولا شأن لك بما سوى ذلك. لماذا؟ لأنَّك وعند تكبيرك للإحرام، هل ستجعل هذا الشخص نُصب عينيك، أم الله؟ فإن كنتَ تقصده، فصلاتك باطلةٌ! لأنَّ هذا الشخص يُفترض أن يكون وسيلةً للارتباط بالله لا أكثر. فعندما تصعد في حافلة أو في سيّارة أجرةٍ لتذهب من مكان إلى آخر؛ يسألك سائق السيارة: أين وجهتك؟ فتقول إلى ميدان الثورة [على سبيل المثال]. فهل تقوم في هذه الحالة، بالتفحص في شكله وطول قامته، والنظر في هويته الشخصية. [إنَّك لا تفعل ذلك بكلّ تأكيدٍ] فالزمن اللازم لطي الطريق لا يستغرق سوى ربع ساعة، ولا يكون هذا السائق سوى وسيلة لإيصالك إلى الجهة التي تنوي الذهاب إليها. فلا مبرّر لهكذا تصـرّف؛ فلو سألته عن اسمه، لقال: لك ما شأنك واسمي؟! ولو سألته عن لقبه وعدد زوجاته وأطفاله وأحوال عشيرته وكم له من الوقت وهو يمارس هذه المهنة، ومتى جاء إلى هنا، وهل هو مُتعب أم لا! لقال لك: ما جزاك الله خيرًا، لا أريد نقلك وإن شئت فسأعطيك مالًا لتتركني وشأني، اذهب وجِد لك سيّارةً أخرى تنقلك! فكلّ ذلك مما لا مبرّر له.
وهكذا الأمر بشأن الاقتداء في الصلاة، فإمام الجماعة بحكم سائق سيّارة الأجرة، فهو وسيلةٌ ليس إلّا، فهل يوجد تمثيل أكثرُ وضوحًا من هذا لكي استخدمه لتبيان المسألة؟!
أمّا إن كان الموضوع يتعلّق بالبحث عن شخصٍ لكي تقوم بتقليده، فالأمر مختلفٌ هنا، ولا يمكن تشبيهه بسائق السيّارة! أتلاحظون؟ فذلك شيءٌ آخر، فهو ليس وسيلةٌ؛ فأنت تريد هنا أن تُسلّمه أمور دنياك وآخرتك. [غير إنَّنا نرى بأنَّ الأمر قد أصبح على العكس، فقضية اختيار مرجع التقليد] أصبحت مثل حكاية سائق سيّارة الأجرة، والاقتداء بإمام الجماعة شيء آخر. أنت تُسلَّم دنياك وآخرتك بيد مرجع التقليد وأنت غير عارفٍ بأنَّك بفعلك هذا تكون قد وضعت كلّ عمرك تحت تصرّفه.
إنّ الله لم يُعطِك عمرين، بل هو عمر واحد. [فبعد مضـي مقدار من الزمن تراك تقول:] كنت أتبع هذا المرجع كلّ هذا الوقت، وإذا به قد ظهر بشكل آخر؛ فكيف بتلك الأحكام والتكاليف التي كنت آخذها منه وأعمل بموجبها.
