
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
بدأ سماحته في هذه المحاضرة بختم الحديث في فقرة «أمَّا اللَوَاتِي في الرِّيَاضَةِ: ... » ، وذلك بتلخيص وعرض أهم ما تمّ بيانه سابقًا، فتعرّض سماحته إجمالًا لمعنى الحماقة والبله الوارد في الفقرة، وبيّن كيفيّة تصرّف الإنسان العاقل في المواقف المختلفة، وشرح علاقة الإكثار من الطعام بحصول البله والحماقة، كما تعرّض لبيان المراد من الأكل الحلال، وبين كيف أنّه من الخطأ التركيز على الأمور الظاهرية دون المعنويّة، فعرض لثلاثة نماذج: زيارة الإمام الرضا وصلاة الجماعة وكيفيّة بناء المساجد ودور العبادة، ومن خلال ذلك بيّن كيفيّة تأثير بعض المعاملات التجاريّة في جعل الطعام مشتبهًا. كما تعرّض سماحته في ذيل المحاضرة لذكر بعض الوصايا في كيفيّة استقبال شهر رجب.
التركيز على الأمور الظاهريّة يفوّت المسائل المعنويّة
10من الخطأ التركيز على الأمور الظاهرية دون المعنويّة
وقد تحدثت للإخوة عن هذا الموضوع سابقًا، فقد تصوّر البعض بأنَّ السير والسلوك ليس سوى الخوض بالمواضيع المتعلّقة بالمأكولات والمشروبات وأمثال ذلك؛ وذلك بالتحقيق في كيفيّة الحصول على المواد وكيفيّة استهلاكها ومن أين يجب الحصول عليها. فكلّ ذلك يعود إلى تلك المسائل التي كنت قد تحدّثت عنها في المجلس أو المجلسين السابقين، أو تلك التي أشرت إليها في المجالس المنعقدة في بعض المدن، حيث يتصوّر هؤلاء الأشخاص بأنَّ السلوك هو عبارة عن الاهتمام بالمسائل الظاهريّة فقط دون الالتفات إلى المسائل المعنويّة.
النموذج الأوّل: زيارة الإمام الرضا
سألني أحد الأشخاص: من أيّ بابٍ، كان المرحوم والدك [سماحة العلامة الطهراني قدّس سرّه] يدخل إلى الحرم عند زيارته للإمام الرضا عليه السلام؟ فقلت له: ما هذا الكلام الذي تتفوّه به أيها السيِّد؟ فقال: أردت أن أعرف. فقلت: لا يتحدّد الإمام الرضا عليه السلام بعدد الأبواب، فما هذا الكلام؟ لقد كان يدخل من أيّ بابٍ يجده مفتوحًا وذلك بناءً على الطريق الذي يسلكه إلى الحرم. أمّا محاولة معرفة الباب الذي كان يَرِد منه، أو أيّ بابٍ كان يُقبِّل، فكلّ ذلك من الأمور التي لا ضرورة لمعرفتها، ولا تعني الإنسان شيئًا.
لحرم الإمام الرضا عليه السلام مائة باب، فمن أيّ بابٍ شئت الدخول للزيارة، فادخل؛ وأيّها وجدت أقلّ ازدحامًا، فادخل منه. أتلاحظون؟ فإعطاء هذه المسألة موضوعيّةً يعود بنا إلى ذلك الموضوع الذي تحدّثنا عنه. أنت تنفصل بعملك هذا عن الإمام الرضا عليه السلام. أنت تضع الإمام الرضا عليه السلام جانبًا بصبّ اهتمامك على أنَّه مادام ذلك الشخص كان قد دخل من هذا الباب، فيترتب عليّ أن أرى الإمام من هذه النافذة. لا يمكن تقيّيد الإمام الرضا عليه السلام بهذا الباب أو ذاك! أتلاحظون؟
تلك هي أمورٌ عجيبةٌ وعظيمةٌ ودقيقةٌ، وهي أمورٌ أساسيّةٌ، أي إنَّ مفتاح الوصول إلى الكثير من الحقائق يكمن فيها.
النموذج الثاني: صلاة الجماعة
[و من الأمثلة الأخرى على هكذا تصـرفات] الشخص الذي يدخل مسجدًا للصلاة، فترى هذا الشخص يستفسر مِن عشرة أشخاصٍ عن إمام الجماعة، من هو إمام الجماعة؟ ما اسمه؟ أين يعمل؟ ما هي طبيعة عمله؟ ذكرت ذلك سابقاً: يكفيك يا هذا، أن ترى المؤمنين قد اقتدوا به، فتستطيع أن تقتدي به أنت أيضًا، فهل أحرزت راحة الضمير بمعرفة ذلك الشخص وخصوصيات هويته وتاريخ ولادته؟! ما الذي ستتوصّل إليه من هذه الأسئلة؟ ستعرف بأنَّه إنسانٌ صالحٌ. هل لصلاتك كل ذلك القدر حتّى تتفحّص بهذا المقدار؟! فليس من المعلوم إمكانيّة عروج صلاتك إلى السقف فيما لو صليت خلف [إنسانٍ صالح]؟! يبدو أنَّ الأمر من الأهميّة لذلك الشخص الذي يريد الصلاة، بحيث إنَّه لا يستطيع الصلاة أربع ركعاتٍ خلف إمام جماعةٍ، ما لم يحرز معرفة كافة التفاصيل المتعلقة به! لا يعكس هكذا تصرّف سوى الانحراف عن جادة الصواب، واتخاذ مسيرٍ مغايرٍ لها.
