
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
هل ينبغي على السالك أن يهتم بالجزئيات كاهتمامه بالكليات ؟ وهل ينبغي له أن يهتم بالتبرك بالأمور المحيطة بولي الله؟ أم أن ذلك يمثل عائقاً أمام حركة السالك ؟ انطلق سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره من هذه الاسئلة ليعالج مسألة أساسية في السير والسلوك، وهي ما الأمر الذي يجب أن ينال اهتمام السالك وتوجهه الأساسي، و ما يتفرع على ذلك من خطورة الوقوع في الوسوسة المدمرة.
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
17وهذا الأمر ينطبق على موضوع الغذاء أيضاً، فلا ينبغي للإنسان أن يشغل فكره بنوع وطبيعة الغذاء الذي سيتناوله، كلّ ما في الأمر هو أن يكون ذلك الغذاء مفيداً للإنسان. فإن لم يكن سمّاً، فليكن ما يكون. أمّا التدقيق في الأمور الأخرى المتعلّقة بالغذاء فهذا لم يكن من دأب وديدن العظماء. على أنَّ للعظماء تأكيداً على بعض الأمور، كالفرق بين الغذاء الذي يتمّ تحضيره خارج المنزل عن ذلك الذي يتم إعداده في المنزل، وهو ما كنت أنوي الحديث عنه هذه الليلة؛ إلاّ أنَّ أموراً مهمةً أخرى قد انجرّ الحديث إليها مما أدّت إلى تغيِّر مجرى الحديث. وسنتحدَّث عنها في المجالس المقبلة إن شاء الله. كما أنَّ الأمور المتعلّقة بالغذاء والتي تحدَّث عنها الأئمة عليهم السلام وما يتعلّق بمراعاة الدقة في هذا المجال ثابت في محلّه؛ ولكن الحديث عن مقدار تلك الدقة التي يجب مراعاتها؛ فهل يجب أن يُنظر إلى الغذاء على أنَّه واسطة ووسيلة، أم أنَّ أساس المسير يتمركز على كيفية استحصال اللقمة وينحصر فيه؟ وذلك بأنَّ الغذاء لا بدَّ وأن يكون من المصدر الفلاني وبهذه الكيفية الخاصة.
كنت قد ذكرت في أحد المجالس بأنَّنا كنَّا مدعوين في أحد الأماكن في قمّ، وعندما جلب الشخص المائدة قال: تناولوا هذا الغذاء بكامل الطمأنينة، فأنا أقوم بجلب الدجاج حيّاً وأذبحه هنا؛ فطريقة الذبح موافقة للطريقة الشرعيّة بكل تأكيد ولا مكان للشكّ والشبهة فيها. وكان يلفظ حاء الذبح بالشكل الذي تخرج فيه من عمق فمه بل وأعمق من ذلك! فكلّ اهتمام هذا الشخص كان متركّزاً على هذا الموضوع، هل إنَّ الدجاج الذي يُباع في السواق قد تم ّ ذبحة وفقاً للطريقة الشرعية أم لا؟
ـ إنَّه يُباع في أسواق المسلمين أيها السيِّد، والجميع يستفيد منه.
فالخوض في هذه الأمور يحدّ من ترقي الفكر، لذا نرى هكذا أشخاص يتّخذون موقفاً مضادّاً عندما يتمّ البحث عن موضوع أرقى من مستوى الفكر العادي. كلّ ذلك بسبب توقّفه عند هذه الأمور الهامشيّة، فلا يستطيع تحمّل ما هو أعلى من هذا المستوى، فهو قد توقّف عند قطع الأوداج الأربعة والتسمية عند الذبح، ولم يترقَ فكره عن هذا الحدّ، ولم يستطع التعالي والعبور عن هذه الأمور الثانوية.
