
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
هل ينبغي على السالك أن يهتم بالجزئيات كاهتمامه بالكليات ؟ وهل ينبغي له أن يهتم بالتبرك بالأمور المحيطة بولي الله؟ أم أن ذلك يمثل عائقاً أمام حركة السالك ؟ انطلق سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره من هذه الاسئلة ليعالج مسألة أساسية في السير والسلوك، وهي ما الأمر الذي يجب أن ينال اهتمام السالك وتوجهه الأساسي، و ما يتفرع على ذلك من خطورة الوقوع في الوسوسة المدمرة.
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
14لقد حصل لي التوفيق قبل فترة بزيارة العتبات؛ فدعانا شخص محترم في النجف وقال: هنالك أشخاص يرغبون باللقاء بكم؛ فذهبت ووجدت هناك شيخاً كبير السنّ.. كان نورانيّاً ولديه صفاء، فعندما نظرت إليه قلت إنَّ نورانيّته وصفائه في محلّه والوضع ليس سيئاً حتّى الآن، ولكن علينا أن ننظر ما الذي يريد أن يقوله. وعندما شرع في الكلام ـ لا أراكم الله ذلك اليوم ـ كنت على وشك أن أضرب على رأسي، واويلاه!؛ فكان كلّ حديثه هو: لقد التقيت بفلان، وذهبت لرؤية فلان، وكان لي الموقف الكذائي مع فلان؛ وفي أواخر حديثه بلغ به المطاف إلى حدٍ قلت له معها: شكراً لك، هذا يكفي فقد استفدنا بما فيه الكفاية، ثم خرجت، وكان الأشخاص من الأصدقاء الموجودين هناك قد وضعوا أيديهم على بطونهم وكانوا على وشك أن يقعوا على الأرض من شدّة الضحك.
انظروا إلى هذا الشخص الذي بلغ من العمر التسعين سنة، كم هو مقدار فهمه وإدراكه؟ وكم كان قد تفتّح ذهنه؟ لم يحصل له الرقي أبداً، كلّ ما كان لديه هو: إنَّ فلان قد رأى في المنام أنّ الحدث الفلاني سيحصل، أو إنَّ شخصاً آخر قد رأى مكاشفة بشأن ما سيحصل؛ فاعترض عليه أحد الأصدقاء الموجودين هناك قائلاً: ولكنَّ تلك المكاشفة لا تتطابق مع واقع الأمر. فقال: لا، لقد أخبروكم بخلاف الواقع. فقلت له: ولكنَّني أعيش في إيران، فهل أُخبرت بخلاف الواقع أيضاً؟ أنا شاهد على ذلك بنفسي، فماذا تقول؟
فهذا الشخص يؤدّي جميع صلواته في أوقاتها، ويأتي بالنوافل، ولم تكن صلاة الليل لتفوته؛ وكان يُصلي كلّما وجد وقتاً لذلك؛ فقد كانوا يرونه يُصلّي في الصحن وفي الشارع وفي كلّ مكان؛ فما الذي جناه من صلاته تلك؟ فهل يصل الإنسان إلى مرامه بالصلاة فقط؟! فصلّ ما شئت أن تصلِّ! فليس في ذلك بأس؛ ولكن عليك أن تعرف لِمَن تُصلّي؟ ومقابل من أنت واقف؟ و ما هي العلاقة و الارتباط الذي يحصل بينك وبين ربك عندما تُكبِّر؟ أم أنَّ الأمر يقف عند حدّ التكبير؟ فما الفرق حينئذٍ بين تكبيرك وتكبير الطفل ذي الثلاث سنوات الذي يراك تُكبِّر فيقف ليُقلِّدك؟ لا يوجد أيّ فرق.
