
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
هل ينبغي على السالك أن يهتم بالجزئيات كاهتمامه بالكليات ؟ وهل ينبغي له أن يهتم بالتبرك بالأمور المحيطة بولي الله؟ أم أن ذلك يمثل عائقاً أمام حركة السالك ؟ انطلق سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره من هذه الاسئلة ليعالج مسألة أساسية في السير والسلوك، وهي ما الأمر الذي يجب أن ينال اهتمام السالك وتوجهه الأساسي، و ما يتفرع على ذلك من خطورة الوقوع في الوسوسة المدمرة.
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
13انظروا كيف تفعل الوسوسة فعلها في دين الإنسان، لقد كان ذلك فيما يتعلّق بالحج؛ وكذلك الأمر بشأن الصلاة، فهو يقول إنَّك تستطيع أداء صلاة المغرب في أول وقتها بمجرد استتار قرص الشمس تحت الأفق، و الآخر يقول: لا بد من الصبر و تأخير الصلاة ربع ساعة أو عشرين دقيقة لكي تزول الحمرة [المشرقية]؛ أتلاحظون ذلك؟
الوسوسة أدت إلى ترك تلاميذ المرحوم القاضي لفتواه والرجوع إلى غيره
إنَّ المرحوم القاضي لم يكن شخصاً عاديّاً، فقد كان جميع العلماء يسكتون عندما يدخل إلى المجالس التي كانت تُقام في النجف؛ وكانت أُبَّهته وجلاله تسيطر وتهيمن على جوّ المجلس بحيث تخمد لها الأنفاس، كان بين تلامذة المرحوم القاضي أشخاص يُقلِّدون شخصاً آخر في ذات الوقت الذي كانوا فيه تحت تربية و إشراف المرحوم القاضي. تستطيعون أن تتصوّروا الموقف، فكيف كان مقام المرحوم القاضي وكيف كان حال تلامذته. لقد كان تلامذة المرحوم القاضي يقولون له عندما تحين صلاة المغرب: أخِّر الصلاة لربع ساعة لكي نستطيع الاقتداء بك، ونستفيض من محضرك، فنحن نُقلِّد السيِّد أبو الحسن الأصفهاني! فما شاء الله على هذا الشعور و الإدراك! و مع ذلك فقد كان رضوان الله عليه يصبر ولا يتكلّم بشيء، بل كان يضحك ويستجيب لهم ويبقى جالساً على سجادة الصلاة لربع ساعة أو عشرين دقيقة لكي يستفيض هؤلاء السادة من تلك الصلاة!
كان هذا الموضوع واحداً من تلك الإشكالات المهمّة التي كان يطرحها المرحوم الوالد في أحد لقاءاته مع العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه؛ فقد كان يقول: كيف يمكن لأحد الأفراد الحضور لدى شخص وتسليم مصيره الأخروي إليه ـ فهذا هو معنى التتلمذ لدى شخص ـ ويقوم في ذات الوقت بتوضيح التكليف لأستاذه، فيقول له مثلاً: اصبر حتّى يتحقق الأمر الكذائي؛ كيف يمكن التوفيق بين هذين الأمرين؟ خصوصاً وأنَّ الأستاذ قد تقبّل صيانة دين الشخص وضمان سعادته الأخروية. فهل يوجد أمر أكثر أهميّة للإنسان من ذلك؟ لقد ضمن الأستاذ تلك السعادة إلى الدرجة التي يقول فيها: لو أنَّني لم أفِ بعهدي، فلك أن تعترض عليّ يوم القيامة، و تستوقفني في موقف الحساب. ولكن ورغم كلّ ذلك تجد في قلبه الشك! إنَّ هذا الشك منبعث عن تلك الوسوسة التي تمنعه من أن يكون حازماً في موقفه؛ [فهذا حاله بغضّ النظر عن أستاذه من هو؛] فسواء لو تتلمذ هذا الشخص على يدي المرحوم القاضي أو المرحوم الحدّاد أو المرحوم العلاّمة رضوان الله عليهم، فحاله سيظلّ هكذا على ما هو عليه؛ نعم ما يتغيَّر فيه هو شكله الظاهري فقط، فلون شعره كان في بادئ الأمر أسود ـ أو لم يكن الشعر قد نبت على عارضيه بعد ـ ثم تحوَّل لون شعره إلى الأبيض تدريجيّاً. فجميع شعره أصبح الآن أبيضاً وانحنى ظهره واستولى عليه العجز وأخذ يتّكأ على العصا، ولكن فهمه لم يزل على حاله الأول لم يتغيَّر أبداً، فإذا ما تباحثت معه واختبرت أفكاره لوجدتها على ما كانت عليه.
