
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
هل ينبغي على السالك أن يهتم بالجزئيات كاهتمامه بالكليات ؟ وهل ينبغي له أن يهتم بالتبرك بالأمور المحيطة بولي الله؟ أم أن ذلك يمثل عائقاً أمام حركة السالك ؟ انطلق سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره من هذه الاسئلة ليعالج مسألة أساسية في السير والسلوك، وهي ما الأمر الذي يجب أن ينال اهتمام السالك وتوجهه الأساسي، و ما يتفرع على ذلك من خطورة الوقوع في الوسوسة المدمرة.
السلوك بين الاهتمام بالكليات والجزئيات
11الوسوسة أكبر عائق أمام طريق السالك
لقد جاء أحد أصدقاء المرحوم العلاّمة إلى منزله يوماً وكان ذلك في يوم عاشوراء أو في يوم عرفة ـ إمّا أن يكون المرحوم العلاّمة هو الذي نقل لي هذه القضيّة، أو أنَّني كنت حاضراً آنذاك؛ ولكنَّني لم أحضر مراسم يوم عرفة تلك الأيام، لذا يبدو بأنَّه هو الذي نقل لي ذلك ـ فذهب ذلك الشخص إلى حمّام المنزل لأداء الغُسل، وفي أثناء غُسله فتح الباب منادياً الأشخاص الحاضرين هناك: يا فلان ويا فلان، هل إنَّ هذا الماء "كُر"؟
يا هذا، أنت تغتسل في منزلٍ لأحد العرفاء، فتأتي وسط الغُسل لتشكّ في كون الماء كُرّاً أم لا، و تبدأ بالوسوسة بأنّه إن لم يكن كراً فكيف سأغتسل و ماذا سأفعل ؟!
انظروا، عندما تستولي الوسوسة على شخص، فإنَّها تستولي عليه حتّى في منزل أحد العرفاء وأولياء الله! لقد كان يصيح: هل إنَّ الماء كُرٌّ؟ وكان المرحوم العلاّمة يضحك ويقول لذلك المسكين مازحاً: كلاّ، إنَّه ليس كُرّاً، فافعل ما تريد! فإن لم يكن الماء كُرّاً، فما الذي ستفعله؟
أترى كيف تستولي الوسوسة على نفس الإنسان؟ فأنت تعيش في حال من الوسوسة والشك حتّى في منزل وليّ الله! ألا يغتسل وليّ الله بنفس هذا الماء؟ ألا يتوضّأ به؟! هكذا تفعل الوسوسة فعلها في دين الشخص، وتجعله في حال من التشويش والاضطراب!
وقف أحد الأشخاص أمام جمع من الناس ليقول لهم: ماذا سيكون تكليف الشخص الذي يرى بأنَّ أحد مراجع التقليد أعلم من أستاذه الذي يتتلمذ لديه؟ فقلت له: يذهب إلى ذلك المرجع ويتخلّى عن أستاذه بعد أن يُقبِّل يده ويودّعه ويقول له: ما دامت أعلميتك دون مستوى ذلك المرجع، فهو يستطيع أن يطلعني على تكاليفي ويريني طريقي بشكل أفضل.
أترون إلى أيّ حدٍّ قد استولت الوسوسة على ذلك المسكين! على أنَّني كنت قد أجبته بأسلوب فنّي، فقلت له: ما هو ميزان الأعلميّة بنظرك؟ هل هي بكثرة ما يحفظه الشخص من معلومات وعدد الكتب التي بحوزته؟ فإن كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي أنَّ يكون ذلك الذي يبلغ من العمر مائة سنة قد قرأ كتباً أكثر، أمّا إذا كان الميزان هو الوصول إلى حاقّ الأمر، فذلك شيء آخر ولا يمكن تشخيص المصداق وفقاً لذلك الميزان.
