
هل الوصول إلى أقصى درجات الكمال متاح أمام الجميع؟
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في 21 رجب سنة 1434 هجرية في مدينة قم، وتناول فيها مسألة أن الإنسان قادر على الوصول إلى ما وصل إليه الرسول والأئمة عليهم السلام، وأشار إلى معنى مقام العصمة والإمامة، مؤكداً على ضرورة الافتداء بالمعصوم في كل شيء، كاشفاً عن أن مدّعي الوصول إلى الكمال كثير لكن الواصلين قليل، ثم بيّن أن الله تعالى هو الآمر بالدعاء وهو المجيب، وأن اصطفاء الله للمعصومين غير خارج عن دائرة المجاهدة والمراقبة، وعرض نموذجاً لذلك وهو عدم قدرة الإنسان أن يتصوّر ما يتحمله الإمام فضلاً عن تحمله، ثم ختم بالإشارة إلى أهمية السكوت في تحصيل تلك المقامات.
هل الوصول إلى أقصى درجات الكمال متاح أمام الجميع؟
5أمّا نحن فما لدينا من صفات وملكات هي مختلطة؛ من جهة فيها نورانيّة وروحانيّة، ومن جهة أخرى ظلمانيّة. هاتان الجهتان موجودتان معنا دائماً؛ تنقص أحياناً وتزيد أخرى، فإن صلّينا ترتفع إحداها وتهبط الأخرى، وإذا جلسنا في مجلس غيبة يرتفع الآخر ويهبط الأوّل، فهاتان الجهتان لدينا في حالة تجاذب دائم، وإنّما تصل إلى الاعتدال ـ لا بمعنى التساوي بمقدار خمسين وخمسين ـ عندما لا يعود في وجود الإنسان شائبة من النفس والهوى ومحوريّة الأنا وحبّ الذات والأنانية..
مدّعو الوصول إلى الكمال كثير لكن الواصلين قليل
طبعاً هذا لا يحصل بسهولة، وإذا وجدتم من حصل لديه ذلك فأرشدوني إليه وسلّموا عليه، لكن لا يوجد شخص كذلك، بل جميعنا في حالة تخيّلات، وجميعنا نظنّ أنّنا نعمل لأجل الله، في حين أنّنا إذا نظرنا إلى أساس المسألة نرى أنفسنا غارقين في الهوى والهوس والدنيا والأنانيّة، بحيث أنّنا لا نرى شيئاً آخر غير هذه الأمور ولا نشعر بشيء آخر. فعندما يبتلى الإنسان بأدنى ابتلاء تراه ينفجر كالقنبلة، وعند ذلك نفهم ما هي القضيّة، أمّا الآن فكلّنا نقول بأننا تجاوزنا أنفسنا، والكلّ يقول بأنّه قد تجاوز هذه المسألة، لكن:
خوش بود گر محك تجربـه آيد به ميـان *** تا سيه روى شود هر كه در او غشّ باشد يقول: [ما أحسن محَكَّ التجربة في الحياة، حيث يُفضح ويسودّ وجه كلّ من كان سيّء السريرة]
وقد حصل هذا المحكُّ فعلاً!
وكما يقول المرحوم الحاج مرزا حبيب رحمة الله عليه:
عيان گردد چو در آب افتد اين مرغ *** كـه مرغـابى بود يا ماكيـان اسـت يقول: [ولو سقط هذا الطائر في الماء، لتجلّى عياناً أمِنَ البطّ هو أو من الدجاج]
الجميع يقول بأنّنا نعرف السباحة، لكن عندما يتمّ إلقاؤهم في الماء ترى الدجاج يغرق بخلاف البط، فإنّه يسبح ولا يغرق. جميعنا يقول الله الله!، وليس لدينا مظلوم أكثر منه تعالى؛ إذ الجميع يفعل ما يحلو له ثمّ يلقيه على الله تعالى، وهو يقول لا بأس ألقه عليّ! [ضحك].. كل ما نقوم به نقول هو لله، ولأجل الله.. الجميع يقول ذلك، لكن عندما يحصل أي تغيّر في برنامج الإنسان أو أن يحصل شيء معيّن نرى الجميع يغرق تحت الماء، جميع تلك المسائل التي كانت لسنوات في الداخل [ومخفيّة]تخرج ، لماذا؟ لأنّهم يريدون الغلبة! هل التفتّ الآن؟ حتّى الآن لم تكن تعلم، والآن فهمت وألهمت حقيقة المسألة؟! الآن فتحت عينيك وفهمت الأمور فجأة؟! جميع هذه الأمور كانت موجودة في الداخل، فهي تبقى في داخله حتى يتاح لها البروز، لماذا كنت ساكتاً إلى الآن، الآن صارت المسألة لأجل الله؟ الآن عندما بدأت الأمور تتّجه نحو النهاية تقول: آه المسألة كذا والمسألة كذا! هذا الأمر عجيب جداً حيث تصير المسألة دفعة واحدة بهذا الشكل! وتصير الأمور واضحة وجليّة للإنسان دفعة واحدة، وبعد ذلك يقول لأجل الله. من هنا نعرف كم هو مظلوم الله تعالى! وهكذا نقوم بهذا الأمر ونعيده ونستنسخه دون أيّ اختلاف.
