
هل الوصول إلى أقصى درجات الكمال متاح أمام الجميع؟
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في 21 رجب سنة 1434 هجرية في مدينة قم، وتناول فيها مسألة أن الإنسان قادر على الوصول إلى ما وصل إليه الرسول والأئمة عليهم السلام، وأشار إلى معنى مقام العصمة والإمامة، مؤكداً على ضرورة الافتداء بالمعصوم في كل شيء، كاشفاً عن أن مدّعي الوصول إلى الكمال كثير لكن الواصلين قليل، ثم بيّن أن الله تعالى هو الآمر بالدعاء وهو المجيب، وأن اصطفاء الله للمعصومين غير خارج عن دائرة المجاهدة والمراقبة، وعرض نموذجاً لذلك وهو عدم قدرة الإنسان أن يتصوّر ما يتحمله الإمام فضلاً عن تحمله، ثم ختم بالإشارة إلى أهمية السكوت في تحصيل تلك المقامات.
هل الوصول إلى أقصى درجات الكمال متاح أمام الجميع؟
4والحاصل أنّه في كلّ حال؛ سواء في مرحلة الصعود أو البقاء يبقى الإمام إماماً، وهو أمامنا وينبغي أن نبقى مطيعين له ومنقادين إليه، هذه النفس تصير مندكّة في نفس الإمام، وتأخذ من نفس الإمام وتقتات من فتات مائدة المعصوم عليه السلام. هذه القضيّة قضيّة الإمام، وهذا الذي يقال له إمام ويقال له معصوم، هل التفتم؟!
ضرورة الاقتداء بالمعصوم في كلّ شيء
يعني في كل مرتبة تتصورها ينبغي أن ترى ما الذي قاله المعصوم فيها؟ فإن كان المعصوم قد تكلّم فيها فلا حاجة بعد ذلك أن ننظر إلى ما قاله هذا وذاك، ينبغي أن نرى ما الذي قاله المعصوم وما الذي قاله الإمام؟ ما الذي قاله النبي؟ من هنا نقرأ في الدعاء: «اللهمّ أدخلني في كلّ خير أدخلت فيه محمّداً وآل محمّد»، يعني أنّه يا ربّ أدخلني في كلّ مرتبة من مراتب القرب التي أدخلت فيها محمّداً وآله، ما ذاك؟ يعني أنّ النبي إذا كان يشرب الماء، فإنّي أريد أن أشرب من ذاك الإناء الذي شرب منه النبي لا من إناء آخر ولا ماء آخر، وإذا كان النبي يشرب العصير فأريد أن أشرب من هذا العصير، وإذا كان يأكل فأريد أن آكل من طعامه، كل ما يقوم به أريد أن تمنحني إيّاه يا رب؛ ذاك العلم الذي يفاض عليه الآن أفضه عليّ أيضاً، وتلك القدرة التي تفاض عليه أفضها عليّ نفسها، وتلك البهجة والبهاء والنورانيّة التي تملأ وجوده الآن اجعلها تملأ وجودي أيضاً.. نعم السعة والظرفية تختلف.. لكن الأمر هو نفسه لا شيء آخر. يعني أنّ هذا الإبريق من الماء له سعة بهذا المقدار، بينما الكوب له سعة بمقدار مختلف، لكن الماء هو عينه دون أيّ اختلاف بينهما، لا أنّ هذا الماء من مكان وهذا من مكان آخر، وطعمهما مختلف، بل كلاهما من مصدر واحد وجنس واحد. هذا هو معنى «اللهمّ أدخلني في كلّ خير..» يعني أنّ مقام القرب ذاك والنورانيّة تلك أريدها منك يا رب! بنفس الكيفيّة، غاية الأمر كما ذكرنا فإنّ سعة الأشخاص تختلف بحسب اختلاف مراتب خلقتهم، فمثلاً لديك مصباح بقوة مائة شمعة وآخر بقوة ماءتين وهكذا.. لكنّ النور واحد، فالنور لا يختلط بالظلمة، غاية الأمر أن فيه شدة وضعف. لكن لا يوجد فيه شائبة الظلمة، ولا فيه مزج مع النفس، ولا مع الهوى والهوس.
