
العقلانية منهج أولياء الله
يتمّ طرح بعض الشبهات على مسلك أولياء الله تعالى ـ هن هنا وهناك ـ من قبل البعض، وتتعلّق إحدى هذه الشبهات بطريقة الأولياء في إدارة الأمور الدنيوية بشكل عام والإنفاق بشكل خاص. فهل يحقّ ـ أوّلاً ـ للإنسان أن يطرح الشبهات هكذا من دون هدف وغاية، ومن دون فهم ودراية؟ وبالنسبة لمسألة الإنفاق، ما هو المسلك الحقيقي الذي كان ينتهجه الأولياء في مثل هذه الأمور؟ هذا ما تجيب عنه المحاضرة التالية بالإضافة إلى مسائل أخرى.
العقلانية منهج أولياء الله
12حسناً، نحن وإن كنّا قد وعدنا بأنّ الحديث سيكون لمدّة ربع ساعة فقط، لكن يبدو أنّنا تخطّينا الوقت.
نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعاً وأن يجعلنا نلتفت إلى أوضاعنا، وأن يمنحنا الفهم للوصول إلى حقيقة المسائل، وأن يعلّمنا طريق العظماء من دون تشويه أو تصـرّف، ويوفّقنا لطيّ هذا المسير بنفس ذلك الشكل: ره چنان رو كه رهروان رفتند.۱
ضرورة العمل بما يمليه العقل دون الالتفات إلى الوساوس الجانبية
كان الوالد يسمع الكثير من الأمور، وكانت تصل إليه الكثير من الوساوس والمسائل المطروحة هنا وهناك، لكنّه كان يحني رأسه إلى أسفل ويعمل بما فهمه ويمضى في طريقه. ونحن بدورنا لم نر بدّاً من أن نزيد في فهمنا! وعندما طُلب منّا أن نضع فهمنا جانباً، فقلنا لهم: نعتذر منكم في هذا الأمر بالذات، فنحن لا يمكننا أن نضع فهمنا جانباً.
نعم، في التذييلات التي دوّنتها على رسالة الاجتهاد والتقليد للمرحوم العلاّمة، قلت في أحد المواضع: ينبغي أن نذكر ما سمعناه، إذ ينبغي أن تصل هذه الأمور إلى أسماع الجميع، ولا ينبغي أن تبقى المسائل ضمن دائرة الشعارات، فإلى متى الشعار الفارغ؟ وإلى متى التلاعب؟
لقد كان [المرحوم العلاّمة] يقول: عندما ذهبنا إلى النجف كنّا نريد أن نُعمل عقولنا، (وهذه نفس عبارته!) فقالوا لي: يا سيّد محمّد حسين، عليك أن تترك فهمك جانباً، حتّى نصير رفاقاً لك ـ ولن أوضّح أكثر من هذا ـ قالوا: اترك فهمك حتى نصير أصدقاءً لك وتُصبح عضواً في مجموعتنا، لكنّني قلت لهم: أنا جئت قاصداً حرم أمير المؤمنين عليه السلام كي أزيد من فهمي.. [كما قال عليه السلام:] ليثيروا لهم دفائن العقول.٢ فالأنبياء إنّما أتوا لكي يفتحوا للناس دفائن عقولهم ويرتقوا بهم أكثر، بينما أنتم تقولون: دع فهمك جانباً؟ كلاّ! إذا كان الأمر كذلك، فطريقنا مختلف.
يقول رحمه الله: فاشتغلت بدرسي دون أن يكون لي علاقة بأيّ أحد، ونظرت إلى ما فهمته من الإسلام، وما فهمته من الدين، فعملت به وحسب.
وهكذا مضى وتقدّم ووصل؛ إذ عندما اطّلع الله تعالى على نيّته الصادقة، وشاهد صفاءً في قلبه، وعلم بأنّه ليس من أهل الشعارات، وعندما رأى اللهُ أنّه لا يخلط بين الحقائق والمصالح الخاصّة، وعندما رأى الله أنّه يعمل بكلّ ما يقوله.. عند ذلك، أوضح له الطريق والمسير، ووضع العظماء والمؤمنين في طريقه لكي يأخذوا بيده.
- عبارة منسوبة إلى الشيخ البهائي (قد) ومعناها: اسلك الطريق كما سلكها من السالكون إلى الله ممّن سبقك في قطع الطريق.
- جاء في الخطبة الأولى من نهج البلاغة: «وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ واجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ». المترجم
