
العقلانية منهج أولياء الله
يتمّ طرح بعض الشبهات على مسلك أولياء الله تعالى ـ هن هنا وهناك ـ من قبل البعض، وتتعلّق إحدى هذه الشبهات بطريقة الأولياء في إدارة الأمور الدنيوية بشكل عام والإنفاق بشكل خاص. فهل يحقّ ـ أوّلاً ـ للإنسان أن يطرح الشبهات هكذا من دون هدف وغاية، ومن دون فهم ودراية؟ وبالنسبة لمسألة الإنفاق، ما هو المسلك الحقيقي الذي كان ينتهجه الأولياء في مثل هذه الأمور؟ هذا ما تجيب عنه المحاضرة التالية بالإضافة إلى مسائل أخرى.
العقلانية منهج أولياء الله
5طريقة الأولياء في إدارة أمورهم الدنيويّة تعتمد على العقلانيّة
إنّ منهج العظماء في مسألة الإنفاق ـ كما ذكرت لكم ـ يرتكز على العقلانيّة، لا أنّه يعتمد على جانب الزهد الفارغ المتولّد من الخيال والنفس! لا، لم يكن كذلك. ففي طريق السلوك والوصول إلى مقام القرب، كان العظماء يختارون الأرجح والأفضل في كلّ ظرف وفي كلّ مورد.. لقد كنّا نعيش معهم ورأينا ذلك منهم.
ففي أحد الأيّام، أراد المرحوم العلاّمة أن يرسل لأستاذه ساعة جيبيّة، وكان في ذلك الوقت يوجد ألف نوع منها؛ منها ما هو رخيص ومنها ما هو متوسّط ومنها ما هو غالي الثمن، فذهب واشترى له أغلى ساعة جيبيّة كانت موجودة آنذاك. وأذكر أنّه في ذلك الحين كانت هناك ساعة (أوميغا) وساعة (زينيت)، فاشترى الثانية وأرسلها للسيّد الحدّاد، وكان بإمكانه أن يشتري الأرخص، فلماذا لم يشترها ويرسلها له؟ ألم تكن تلك الأموال تذهب إلى دولة سويسرا؟ إذ هذه الساعة صنعت في سويسرا. وبعد أن تشرّفنا بالذهاب إلى كربلاء في ذلك الحين، أخرج السيّد الحدّاد الساعة من جيبه وقال للمرحوم العلاّمة: ما أعجب هذه الساعة التي أرسلتها إليّ! والحال أنّه كان يستطيع أن يرسل ساعة عاديّة، غاية الأمر أنّها قد تُقدّم أو تؤخّر ساعتين في اليوم!!! ولكنّه ما فعل ذلك، بل ذهب وبحث، واشترى أفضل الساعات لأستاذه.. هذا هو ممشاهم!
وعندما كان يريد أن يشتري جهازاً لقياس ضغط الدم، قال لأحد أصدقائه: اذهب واشتر أفضل وأدقّ أنواع أجهزة قياس ضغط الدم.. والله على ما أقول وكيل. فذهب حينها إلى صيدليّة "تخت جمشيد" واختار أدقّ جهاز عندهم، ولا يزال هذا الجهاز موجوداً لحدّ الآن.. فكنّا نذهب ونقيس ضغطه به. وكانت قيمة هذا الجهاز ـ بحسب قول ذاك الصديق ـ تُعادل أربعة أضعاف قيمة الجهاز العادي المتداول.. فلماذا فعل ذلك؟ إذ كان بإمكانه أن يشتري الجهاز العادي، لكن هذا يُشير إلى أنّه كان في أفقٍ آخر، حيث يقول: ينبغي أن يكون كلّ شيء في أعلى مستوى من الدقّة. ولو لم يكن كذلك، لما كنت أعتقد به كلّ هذا الاعتقاد!!
