
مخاطر النظرة الظاهرية نحو التشريعات الإسلامية
نلاحظ أنّ بعض الأشخاص يقوم بأداء العبادات، ويواظب على الصلاة وقراءة الأذكار، ومع ذلك فهو لا يترقّى ولا يتكامل، فما هو السرّ في ذلك؟ أجاب سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدس سره عن هذا السؤال ثم بيّن خطورة أن يتعلّم الانسان دون عمل وتطبيق، وعرّج بعد ذلك على مسألة التشابه الظاهري بين الصالحين والمضلّين، وكيفيّة التعامل معه، واختتم المحاضرة بالإجابة على سؤال حول كيفيّة تناول الطعام. ألقيت في قم ليلة 26 ربيع الثاني 1434هـ
مخاطر النظرة الظاهرية نحو التشريعات الإسلامية
12وهذا نظير إرضاع الطفل، حيث ورد عندنا أنّ الأفضل للمرأة أن تتوضّأ إذا أرادت أن تُرضع طفلها؛ لتكون على طهارة حين القيام بهذا الأمر. فهذه الأمور تؤثّر في الإنسان، ولا ينبغي علينا أن نقول: هذا لا يعدو كونه حليباً، فما هو الفارق بين إرضاع الطفل على وضوء وإرضاعه بدون وضوء؟ وهل للوضوء أثر في هذا الأمر؟ فالإنسان لا يُدرك تأثير ذلك إلاّ فيما بعد، عندما يُواجه بعض المسائل وتعترضه بعض الأمور في حياته، حينئذٍ سيُدرك ما هو مصدر كلّ ذلك! كما أنّه لا ينبغي أيضاً إرضاع الطفل في بعض الموارد والحالات، وكلّ هذه الأمور تُبحث في محلّها. ونفس الشيء يُقال بالنسبة لإعداد الطعام، حيث كان أسلافنا ـ سواء النساء منهم أو الرجال ـ يتوضّؤون ويطبخون الطعام وهم في حالة طهارة، ثمّ يأكلونه بعد ذلك. وتوجد هنا العديد من القصص والحكايات التي يؤدّي التعرّض لها إلى إطالة المجلس، لكن يكفينا أن نعلم بأنّ جميع هذه الأمور تؤثّر في الجانب المعنوي والملكوتي والبرزخي للطعام، غير أنّ الأشخاص العاديّين لا يُدركون ذلك، فيتناولون الطعام بأيّة طريقة كانت.. فلو وضعتَ أمامهم صحناً من الأرزّ، لأكلوه من دون أن يُعيروا أيّة أهمّية للشخص الذي أعدّه. وأمّا حينما يصل الإنسان إلى حالة من الرشد والكمال والتجرّد نوعاً ما، وتصير نفسه مرتبطةً ـ ولو قليلاً ـ بتلك العوالم العالية، ومأنوسة بها إلى حدٍّ ما، فما إن يضعوا أمامه إناء الطعام ويتناول اللقمة الأولى، فإنّه لا يتمكّن بعد ذلك من تناول اللقمة الثانية، مع أنّك تجد الشخص الذي يجلس أمامه قد تناول طبق الطعام كلّه، ولم يُبق منه شيئاً! فما هو السبب في ذلك؟ السبب هو أنّ ذلك الطعام يحتوي على أمرٍ ما لا يسمح للنفس بأن تستسيغه؛ وذلك للارتباط الموجود بين النفس والبدن...
أعتقد بأنّه لا يوجد مجال لإكمال الحديث هذه الليلة، إذ يبدو أنّنا وصلنا إلى نهاية الحدّ المسموح لنا فيه بالكلام، وسنتعرّض في جلسة قادمة ـ إذا وفّقنا الله تعالى ـ إلى بيان العلاقة القائمة بين النفس والبدن على مستوى الأكل والتغذية، وكيف أنّ الإنسان حينما يصل إلى درجة من درجات الروحانيّة، فإنّ بدنه لا يعُود يتحمّل تناول الطعام العادي والمتعارف.. فلا يتقبّل الطعام المطبوخ بدون مراعاة للضوابط، ولا يُمكنه تناول الطعام المعدّ على خلاف رضا الله تعالى، ولا يستطيع تحمّل الطعام المعدّ من حرام. هذا مع أنّ البدن واحد ولا يختلف بين شخص وآخر.. فالكل لديه مريء ومعدة وأمعاء وفم وأمثال ذلك، لكن لماذا يستطيع هذا [تناول الطعام المتعارف]، بينما لا يتمكّن ذاك من القيام بذلك؟ السبب هو أنّ هذه النفس صارت محيطةً بالبدن ومسيطرةً عليه؛ فهذه النفس التي تُسيطر على البدن تختلف عن النفس التي يُسيطر البدن عليها. فالبدن أصبح خاضعاً لسيطرة النفس، ومن المعلوم أنّ مصدر الاشتهاء هو الدماغ الذي يقوم بإصدار مجموعة من الإشارات للمعدة حتّى تتمكّن من بلع الطعام وتقبّله؛ فإذا كان البدن خاضعاً لسيطرة النفس، فإنّ الدماغ سيكون واقعاً تحت سيطرتها أيضاً، وستكون الغدّة النخاميّة بدورها تحت سيطرة النفس.. تلك النفس التي خضعت للتربية، وحصلت على التجرّد والروحانيّة. ولكي نصل إلى هذه الدرجة، فقد أمرَنا العظماء بضرورة مراعاة هذه المسائل، فنحن لم نصل بعد. ولهذا، فإنّ أولئك الذين سلكوا ووصلوا، يأمروننا بضرورة المراعاة والحذر، وضرورة الانتباه بالنسبة لطريقة تناول الطعام الذي نُريد أن نحصّل منه فائدة.
