
الإسراف في الأكل والجوع الشديد من موانع الطريق
ألقى سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدس سره هذه الحاضرة في الخامس من ربيع الثاني لعام ألف وأربعمائة وأربع وثلاثين للهجرة. وضمن شرحه لحديث عنوان، بيّن سماحته مدى تأثّر الإنسان سلباً وإيجاباً بالأجواء التي يدخلها ولو لدقائق، وكذلك بحالتي التخمة والجوع الشديد، وخلص إلى أنّ حدّ اعتدال المزاج هو المطلوب، وبالمناسبة بيّن أنّ تنويع الضيافة لا ينافي الزهد، وإنّما ينافيه الإكثار ولو من نوع واحد، وأمّا في مجالس الذكر فللاقتصار على نوع واحد شأن آخر.
الإسراف في الأكل والجوع الشديد من موانع الطريق
6الأكل الزائد والجوع الزائد مانعان من حركة السالك
وكما أنّ امتلاء المعدة يوجب صرف اهتمام النفس إلى تدبير البدن والاشتغال به، كذلك الحال فيما إذا غلب الجوع على الإنسان وأضعفه.. فهذا خطأ كذلك، كلاهما مانع من الحركة، بل خير الأمور أوسطها. عندما يشتهي الإنسان شيئاً عليه أن يرى هل حالته الآن تقتضي هذا الأمر أم لا؟ عندما يكون قبل نصف ساعة قد تناول حبة فاكهة، ووضع أمامه فاكهة أخرى فعليه أن لا يتناول حبّة أخرى، بل يقول لقد أكلت، فهذه الفاكهة التي يأكلها ثانياً، وهذا الطعام الذي يتناوله بعد ذلك، يتنافى مع كلام الإمام الصادق عليه السلام عندما يقول لا ينبغي أن تأكل كل ما تراه، بل عليك أن تترك النفس تصل إلى مرحلة الاشتهاء المطلوبة، وبعد ذلك تناول.
على الإنسان أن يكون بالنسبة إلى مأكوله بحيث لا يشعر بأنّ في معدته شيئاً، هذا هو المعيار في الطعام؛ لأنه عندما يشعر بأنّ معدته قد ثقلت، فهذا يعني أنه تناول مقداراً أكثر من الميزان الذي يحتاجه بدنه، بل عليه أن يأكل على دفعات. لماذا يجعل معدته ثقيلة بالأكل دفعة واحدة، فليأكل على دفعات! أو ليأكل بين الوجبات.. فتلك الحالة من الخفّة التي يشعر الإنسان أنها أفضل حالة لنفسه هي التي يقصدها الإمام عليه السلام في كلامه مع عنوان، لا أن يشعر الإنسان بثقل بعد تناول الطعام بحيث يلزمه أن يجلس للاستراحة بمقدار ساعة أو نصف ساعة حتى يقل الثقل الذي حصل لديه، وإذا فعل ذلك فحالته قد ذهبت، وذاك الارتباط قد انقطع، لذا ورد في حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله: «ما ملأ آدميّ وعاء شراً من بطنه»، يعني أنّه يعلم ما هو الضرر الذي يحصّله الإنسان من ذلك، وإلّا ففي أسوأ الحالات سوف يصاب الإنسان بثقل معدته، وبعد ذلك يأخذ دواء أو شيئاً من العرقيات ويستريح قليلاً، ثم شيئاً فشيئاً ترجع حالته إلى سابق عهدها، وقد تعوّد على هذا الأمر، ولم يخسر شيئاً بذلك، حتّى لو كان قد جلس لمدّة ساعتين أو تحدّث حتّى صار خفيفاً.. فلماذا كلّ هذا التأكيد على قلة الطعام؟! ولماذا قولهم: «المعدة بيت الداء والحمية رأس كلّ شفاء»؟! الحمية بمعنى الاحتماء.. لقد شاهدت في بعض الكتب أن الحمية فسـّرت بمعنى الحمّى والحرارة.. كلّا! بل بمعنى الاحتماء، فالاحتماء رأس الشفاء والدواء. حسناً، لماذا كلّ هذا التأكيد؟! لماذا قولهم بأنّ عليك أن ترفع يدك عن الطعام قبل أن تشبع؟! ولماذا أوصوا بأن تتناول في الليل طعاماً خفيفاً كي تستطيع النهوض قبل الفجر؟! فلو فرضنا أنّ المسألة هي مجرّد الاشتغال بأمر ظاهري فقط، لما احتجنا إلى كل هذا التأكيد. إنّ هؤلاء العظماء يعلمون.. والأئمّة يعلمون بأنّ الطعام الزائد يوجب سلب التوفيق، بحيث أنّه لا يستحق أن يجلس الإنسان بعد ذلك لمدة ساعة أو ساعتين حتى يخفّ! إذ قد يكون مقدّراً أن يأتي شيء في هذه الساعات، لكنّه بسبب امتلاء المعدة ذهب ذلك المقدّر. لذا نرى أن جميع العظماء ـ بحسب علاقتي بهم وسماعي عنهم ـ كانوا يراعون هذه المسألة، وكانوا يأكلون.. يأكلون [باقتصاد] من كلّ شيء..
