
الإسراف في الأكل والجوع الشديد من موانع الطريق
ألقى سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدس سره هذه الحاضرة في الخامس من ربيع الثاني لعام ألف وأربعمائة وأربع وثلاثين للهجرة. وضمن شرحه لحديث عنوان، بيّن سماحته مدى تأثّر الإنسان سلباً وإيجاباً بالأجواء التي يدخلها ولو لدقائق، وكذلك بحالتي التخمة والجوع الشديد، وخلص إلى أنّ حدّ اعتدال المزاج هو المطلوب، وبالمناسبة بيّن أنّ تنويع الضيافة لا ينافي الزهد، وإنّما ينافيه الإكثار ولو من نوع واحد، وأمّا في مجالس الذكر فللاقتصار على نوع واحد شأن آخر.
الإسراف في الأكل والجوع الشديد من موانع الطريق
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
كان الكلام في كيفيّة التغذية، وهنا مطالب ذكّر الإمام الصادق عليه السلام عنواناً بها في هذا الحديث.
وكما ذكرنا في الجلسات السابقة، فإنّ مسألة التغذية وكيفيّة تناول الغذاء واختياره ليست مطلوبة في نفسها بالذات، لأنّ الإنسان لم يأت إلى هذه الدنيا لأجل تناول الطعام، ولهذا العمل عنوان الواسطة والوسيلة لبقاء الجسم، فبواسطة الغذاء يمكن للإنسان أن يصل إلى مرتبة الكمال والتقرّب الروحي. لذا، فأفضل طريقة للتغذية بالنسبة إلى السالك هي التي تجعل جسمَه في أفضل حالة من اعتدال المزاج، وبواسطة هذا الاعتدال يحصل للنفس أو للروح استعداد وتهيّؤ للحركة والتقرّب المطلوب منها. ومن الواضح أنّه لا يمكن للإنسان أن يُغفل تأثير الجسم، لأنّ هناك ارتباطاً بين النفس والجسم، فإنّنا ـ شئنا أم أبينا ـ مبتلون بالجسم، ومبتلون بتدبير البدن، فإمّا أن نضع الاهتمام بالحركة الروحيّة جانباً، ونعيش بأيّ شكل أردنا؛ نأكل كل ما نشتهيه، وكل ما يخطر على فكرنا حتى لو كان مضـرّاً لنا، ونرغب في كل ما نراه أمامنا.. وفي هذه الحالة لا يبقى مجال للتقرب [وإمّا أن نهتم بهذا الأمر].
آداب مجالس الذكر وتأثير الأجواء المحيطة على النفس
في وقت من الأوقات، أذكر أنه في زمن المرحوم العلاّمة كنّا في إحدى الليالي في جلسة من الجلسات، حيث كان الإخوة يأتون عصراً لقراءة دعاء السمات، وكذلك الأدعية الأخرى في سائر الأوقات كالأدعية الرجبيّة في شهر رجب، أو المناجاة الشعبانيّة في شهر شعبان، وكذا في الليالي.. كان المرحوم العلاّمة يقول: ينبغي في هذه الجلسات أن تراعى القوانين والقواعد، فهذه الجلسات توجب للإنسان حالات، حيث توجد له توجّهاً، وتوجد له تجرّداً، وهذا من الأمور الملموسة، فإلى أيّ مكان من الأماكن المقدّسة والمطهّرة ذهبت، تشعر في نفسك بتبدّل للحال. فإذا ذهبت إلى مجلس ذكر أو مجلس لسيّد الشهداء أو مجلس عزاء.. لا إلى هذه المجالس التي هي أشبه بالمسرحيّات والتمثيل، ولا يوجد فيها غير إراقة ماء الوجه.. بل المجالس التي تشتمل على نيّة صالحة وخيّرة، ويوجد فيها حالة الصفاء.. فعندما يذهب الإنسان إليها يشعر بتغيير في حاله، وهذا التغيير في الحال يعني التجرّد، والتجرّد يعني التقرّب، فالحالة التي كانت لديه قبل الدخول لم تعد موجودة، بل تغيّرت، كان لديه في الخارج حالة مختلفة، وكان يتكلّم بطريقة مختلفة ويتصرّف مع الناس بشكل آخر.. كلّ هذه الأمور يراها قد تغيّرت عندما دخل. هذا التغيّر الذي حصل له من أين أتى؟ لقد جاء من هذه الأجواء! يعني أنه عندما دخل إلى هذه الأجواء وحصل له ارتباط فيزيائي به، حصل بموازاته ارتباط غير عضوي، وهذا الارتباط غير العضوي هو ارتباط بعالم مثال هذا المجلس وملكوته، وهذا الارتباط هو الذي غيّر حالته، حيث يرى أنه صار خفيفاً، وصار له رغبة في قراءة القرآن، حيث لم يكن لديه هذه الرغبة قبل ذلك. وهذا كلّه ببركات سيّد الشهداء، يأتي ويغيّر حالته بشكل كامل. فالإكسير عندما يصبّ على النحاس يبدّله إلى ذهب.
